المرحلة الانتقالية تربك عقود النظافة الجديدة بالدار البيضاء

لم تكشف الأشهر الثلاثة الأولى من عقود النظافة الجديدة بالدار البيضاء مجرد تفاوت في جودة جمع النفايات بين أحياء المدينة، بل أظهرت خللًا أعمق في هندسة المرحلة الانتقالية نفسها. فالنظام الجديد صُمم للانتقال إلى عقود تقوم بصورة أكبر على النتائج والاستثمار والمراقبة، لكنه انطلق في بعض القطاعات اعتمادًا على معدات موروثة من المتعهد السابق كان يفترض أن تستمر في الخدمة مدة تقارب سنة. وبعد أقل من أربعة أشهر، أصبحت الجماعة تستعد لتعديل جزء من العقود لتسريع الاستثمار في معدات جديدة، بعدما تبين أن هذا الافتراض لم يصمد أمام الواقع الميداني.

دخلت العقود الجديدة حيز التنفيذ في فاتح يوليو 2026 لمدة ثماني سنوات، بعد انتهاء العقود السابقة في 30 يونيو. وأسندت الحصتان الأولى والثانية إلى شركة  “Arma”. وتشمل الأولى مقاطعات أنفا والمعاريف وسيدي بليوط والفداء–مرس السلطان، والثانية الحي الحسني وعين الشق. أما الحصة الرابعة، التي تضم عين السبع والحي المحمدي والصخور السوداء وسيدي البرنوصي وسيدي مومن، فقد أسندت إلى شركة إس أو إس إن دي دي (SOS NDD) وظلت الحصة الثالثة، الخاصة ببن مسيك ومولاي رشيد وسباتة، تحت تدبير مؤقت من «أرما» بعد تعثر إسنادها في الصفقة الأولى وانتظار إطلاق مسطرة جديدة.

وكانت الجماعة قد بنت الجيل الجديد من دفاتر التحملات على فكرة واضحة: تحسين مستوى النظافة من دون زيادة غير مضبوطة في كلفة القطاع، وربط أداء المتعهدين بالنتيجة الفعلية في الشارع. ولهذا أُدخل مبدأ “الالتزام بالنتائج”، مع إمكان تطبيق جزاءات تبعًا للحالة الحقيقية لنظافة الشوارع، إلى جانب تدقيق سنوي للاستثمارات والمعدات وإرجاع فروقات الاستثمار غير المنجزة إلى الجماعة.

كما رفع دفتر التحملات سقف الالتزامات التشغيلية. فقد نص على إحداث نحو 4700 نقطة لتجميع النفايات، وتركيب قرابة 8400 سلة في الفضاء العمومي، وضمان الجمع طيلة أيام الأسبوع، والتدخل لإزالة النقط السوداء في أجل لا يتجاوز ساعتين، مع هدف معلن يتمثل في القضاء عليها خلال الأشهر الستة الأولى من العقد. وأصبح تجهيز الآليات بكاميرات وأنظمة تحديد المواقع GPS جزءً من نظام المراقبة، إلى جانب توسيع الخدمات لتشمل بعض أصناف النفايات والمناطق التي كان تدبيرها يطرح صعوبات في السابق.

لكن البداية كشفت بسرعة عن فجوة بين التصميم التعاقدي والتنفيذ الميداني. ففي الرابع من يوليو، بعد أيام فقط من انطلاق العقود الجديدة، أقرت جماعة الدار البيضاء رسميًا بوجود تفاوت في مستوى الخدمة في بعض القطاعات، واعتبرت أن الوضع المسجل لا يستجيب لا لانتظارات السكان ولا لمتطلبات دفاتر التحملات الجديدة. وأعلنت في الوقت نفسه تفعيل تتبع يومي وتقوية تدريجية للوسائل والمعدات خلال الأشهر اللاحقة.

وتركزت الصعوبات بصورة خاصة في المناطق التي انتقلت من شركة أفيردا (Averda) إلى إس أو إس إن دي دي. وأقر نائب رئيس مجلس المدينة المكلف بالنظافة، في يوليو، بأن عملية الانتقال في الحصة الرابعة كانت الأكثر تعقيدًا. وشملت المشاكل تأخر استئناف جزء من العمال لنشاطهم، إضافة إلى حالة عدد من الآليات الموروثة، التي احتاجت إلى إصلاح وإعادة تأهيل قبل استخدامها.

وقد كان من الممكن اعتبار تلك الاضطرابات مجرد صعوبة مؤقتة مرتبطة بتغيير المتعهد. لكن المعطيات المتاحة بعد أكثر من ثلاثة أشهر تغير طبيعة التشخيص. ففي السادس من أكتوبر، تحدثت مصادر من داخل الجماعة عن استمرار “مشكلة في المردودية” بعين السبع–الحي المحمدي وسيدي البرنوصي، في وقت استمرت فيه شكايات السكان من تراكم النفايات والروائح وتراجع مستوى الخدمة في عدد من المناطق التي تدخل ضمن الحصة الرابعة.

والأكثر دلالة هو أن الجماعة لم تعد تكتفي بإجراءات تصحيحية ميدانية، بل أعدت مشروعَي ملحقين تعديليين للعقود المتعلقة بعين السبع–الحي المحمدي وسيدي البرنوصي. وتهدف التعديلات، وفق المعطيات المنشورة، إلى تغيير الجدولة الزمنية للاستثمارات حتى تتمكن الشركة من تجديد معداتها قبل الموعد الذي كان محددًا في البداية. وكان الاتفاق الأصلي يفترض استمرار العمل بجزء من المعدات الموروثة من المتعهد السابق إلى حدود يونيو أو يوليوز 2027، قبل بدء الاستثمارات الأساسية. أما الآن، فيجري التفكير في تقليص هذه الفترة إلى نحو ستة أشهر. وقد أُجّل النظر في التعديلات إلى جلسة 22 أكتوبر في انتظار استكمال الوثائق والمعطيات المطلوبة.

هذه النقطة هي جوهر المشكلة الحالية. فالعقد الجديد يفترض انتقالًا تدريجيًا من منظومة قديمة إلى أخرى أكثر تحديثًا، لكنه بنى جزءً من المرحلة الانتقالية على قدرة معدات قديمة على الاستمرار في أداء الخدمة مدة إضافية. وحين ظهرت محدودية تلك المعدات، أصبحت جودة الخدمة مرتبطة باستثمار لم يكن مقررًا أن يبدأ بهذه السرعة. وهكذا انتقلت المشكلة من مستوى “تدبير يومي غير مستقر” إلى مستوى إعادة النظر في الجدولة الاستثمارية للعقد نفسه.

وهذا لا يعني أن النموذج الجديد فشل. فثلاثة أشهر ليست مدة كافية للحكم على عقود تمتد ثماني سنوات، كما أن الصعوبات ليست متساوية في جميع قطاعات المدينة. لكن ما حدث يقدم اختبارًا مبكرًا لقدرة الجماعة على استعمال الأدوات التي وضعتها بنفسها في دفاتر التحملات: المراقبة، قياس النتائج، تتبع الاستثمار، تطبيق الجزاءات عند الاقتضاء، والتعديل التعاقدي حين تثبت المعطيات أن التصميم الأولي يحتاج إلى تصحيح.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مالية خاصة لأن الأمر لا يتعلق بخدمة هامشية. فقد قُدرت قيمة السوق عند إطلاق طلب العروض بحوالي 1.2 مليار درهم، في مدينة تنتج قرابة أربعة آلاف طن من النفايات يوميًا. لذلك فإن أي خلل في توزيع الموارد أو الاستثمار أو مراقبة المعدات لا ينعكس فقط على صورة الشوارع، بل على أحد أكبر عقود الخدمات الحضرية وأكثرها اتصالًا بالحياة اليومية للسكان.

كما أن الرقابة على نهاية العقود القديمة لم تُغلق بعد. فقد أطلقت “الدار البيضاء للبيئة” مهمة تدقيق لإقفال عقود التدبير المفوض السابقة للنظافة وتدبير النفايات، بكلفة تقديرية تناهز 720 ألف درهم. ويكتسب هذا التدقيق أهمية إضافية لأن جانبًا من مشاكل الانتقال الحالية يرتبط تحديدًا بحالة المعدات والأصول التي انتقلت من مرحلة تعاقدية إلى أخرى.

ويبقى ملف جمع النفايات وتنظيف الشوارع جزءً واحدًا فقط من منظومة أوسع. فالدار البيضاء تعمل بالتوازي على إعادة بناء حلقة معالجة النفايات بعد جمعها، بما في ذلك مشاريع التثمين والمعالجة بدل الاكتفاء بمنطق النقل والطمر. لكن نجاح هذه الحلقة المستقبلية لا يلغي الحاجة إلى ضبط الحلقة الأولى: أن تصل النفايات أصلًا من الحي إلى منظومة المعالجة بانتظام وكفاءة.

بعد ثلاثة أشهر من انطلاق العقود الجديدة، لا تكمن المسألة الأساسية إذن في السؤال عما إذا كانت الدار البيضاء “نظيفة” أو “غير نظيفة”. بل إن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان نموذج التدبير الجديد قادرًا على تحويل دفتر التحملات من قائمة التزامات إلى نظام قابل للقياس والمحاسبة. وإذا كانت أول تعديلات العقود ستُفرض بسبب معدات كان يُفترض أن تستمر سنة ولم تحتمل سوى أشهر قليلة، فإن المرحلة الانتقالية نفسها أصبحت أول درس كبير في الجيل الجديد من تدبير نظافة المدينة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *