ما يجري في الدار البيضاء يتجاوز بيع بعض العقارات أو نزع ملكية أخرى. فعند جمع العمليات المتفرقة التي تتحرك في أنحاء المدينة، تظهر صورة أكثر اتساقا: الدار البيضاء تعيد توزيع وظائف الأرض نفسها. ذلك أن القطع التي فقدت وظيفتها كملك عام يجري تحويل بعضها إلى الملك الخاص وتثمينها أو تسوية وضعيتها، بينما تتحرك المدينة في الاتجاه المعاكس لامتلاك أراضٍ تحتاجها الطرق والمساحات الخضراء والتجهيزات الجديدة. وبين الحركتين يعاد بالتدريج رسم العلاقة بين العقار والمدينة.

ولعل أوضح الأمثلة يوجد في قلب الدار البيضاء. فهناك قطعة تقارب مساحتها 1864 مترا مربعا بزنقة الطاهر العلوي في سيدي بليوط، مرتبطة بمطلب التحفيظ 7351/د، يجري تحويلها من الملك العام الجماعي إلى الملك الخاص تمهيدا لتفويتها بالتراضي ودمجها في رسمين عقاريين تابعين لوحدة حياة ريجنسي. ولا تأتي أهمية العملية من المساحة وحدها، بل من موقعها في واحدة من أكثر مناطق الدار البيضاء مركزية، على مقربة من ساحة الأمم المتحدة والمدينة القديمة، حيث يقع الفندق في قلب المركز التاريخي للعاصمة الاقتصادية.
في حالة كهذه، تتحول قطعة لم يعد الاحتفاظ بها داخل الملك العام يؤدي بالضرورة وظيفة حضرية مستقلة إلى جزء من عقار خاص مجاور. لكن الاتجاه ليس دائما من الجماعة إلى القطاع الخاص. فالدار البيضاء تفعل العكس تماما عندما تحتاج الأرض لإنجاز طريق أو تجهيز أو فضاء عمومي. وهذه المفارقة هي التي تكشف المعنى الحقيقي للحركة العقارية الحالية. بمعنى آخر، فالمدينة لا تتخلص من الأرض؛ وإنما تحاول وضع كل قطعة في الوظيفة التي تريدها لها.
في منطقة المعاريف يظهر وجه آخر للعملية. ذلك أن جزء من الرسم العقاري 98720/س، من بقايا الطرق بشارع عبد المومن، عرف خلال السنوات الأخيرة تعديلات متكررة في مساحته. فقد ظهر في مراحل سابقة بمساحات مختلفة، قبل أن يستقر الملف حاليا عند 204 أمتار مربعة بدل 215 مترا، قصد دمجه في الرسم العقاري المجاور 2211/س، مع مراعاة حق الشفعة للمجاورين.
ولا يكفي اختلاف المساحات وحده للحديث عن خلل؛ فقد تكون وراءه عمليات رفع طبوغرافي أو تصحيح للحدود. لكنه يكشف شيئا آخر، إذ حتى القطع الصغيرة المتبقية من شبكة الطرق القديمة تحتاج أحيانا إلى سنوات من المعالجة القانونية والتقنية لكي تتطابق الملكية المسجلة مع المدينة القائمة فعليا.
وهذه ليست حالة منفردة. ففي عدد من أحياء الدار البيضاء توجد بقايا طرق وقطع صغيرة أو غير قابلة للبناء بصورة مستقلة، تصبح قيمتها الحقيقية في دمجها بالعقار المجاور. وفي حالات أخرى، تتحرك التسوية لمعالجة بنايات قائمة أصلا فوق عقار جماعي. ولذلك فإن جزءً مما يبدو في الظاهر “تفويتا” هو في الواقع تنظيف تدريجي للخريطة العقارية من جيوب خلَّفها تطور المدينة وتعاقُب تصاميمها ومسالكها وحدودها.
لكن الصورة تنقلب عندما نغادر هذه الجيوب إلى الأراضي التي تحتاجها البنية الحضرية الجديدة. ففي عين الشق، مثلا، يتعلق أحد الملفات بجزء مساحته 2587 مترا مربعا من الرسم العقاري 48885/س. ققد كانت الأرض مخصصة سابقا لطريق التهيئة AC39 بعرض 20 مترا، قبل أن يعاد إدراج المشروع ضمن المرجع التخطيطي الجديد تحت الرمز AC320 والوكالة الحضرية للدار البيضاء تؤكد أن تصميم تهيئة عين الشق الجديد أصبح مصادقا عليه.
ما يحدث هنا يوضح العلاقة بين التخطيط والعقار. فتصميم التهيئة يرسم الطريق فوق الخريطة، لكن الطريق لا تصبح واقعا بمجرد رسمها. بل يجب أولا تحرير الأرض التي تمر فوقها، وتحديد الرسوم العقارية المعنية، وتقييمها ثم نقل ملكيتها. ولهذا فإن ملفات العقار تكشف في كثير من الأحيان مرحلة تنفيذية لا تظهر في الخرائط وحدها.
وتتكرر الآلية في محاور أخرى، حيث لا يقتصر نزع الملكية على الطريق ذاتها، بل يمتد إلى المساحات الخضراء والتجهيزات العمومية المحيطة بها. وعند هذه النقطة يتوقف العقار عن كونه مجرد أصل مالي ويصبح أداة لإعادة تشكيل المجال الحضري.
هذا التحول يكتسب أهمية إضافية مع تجدد وثائق التعمير. فالوكالة الحضرية تؤكد أن مخططات تهيئة المعاريف وعين الشق والفداء ومرس السلطان أصبحت مصادقا عليها، إلى جانب مخططات أخرى. وقد صدر مرسوم المصادقة على تصميم المعاريف في شتنبر 2026 ونشر في الجريدة الرسمية في فاتح أكتوبر.
والنتيجة أن بعض العقارات التي كان لها وضع معين داخل الخريطة القديمة يمكن أن تجد نفسها داخل وظيفة جديدة: طريق، مرفق، فضاء أخضر، منطقة قابلة للبناء أو نطاق يخضع لشروط مختلفة. ومن هنا تبدأ عملية طويلة لتحويل التخطيط من خطوط على الورق إلى ملكية قابلة للتنفيذ فوق الأرض.
وفي الجهة الأخرى من المعادلة توجد الأصول التي ظلت معلقة لسنوات. والمجمع السكني والتجاري أحمد الصباغ يمثل نموذجا لهذه الفئة: أصل جماعي مر عبر محاولات متعاقبة للتثمين قبل أن يتجه التدبير نحو خيار أكثر حسما، هو إخراجه إلى المزايدة. وفي مثل هذه الحالات لا يصبح السؤال ماذا ستفعل الجماعة بالأرض فقط، بل كم يكلف المدينة أن تظل أصولها مجمدة من دون وظيفة واضحة أو مردود فعلي؟
وتوجد في الدار البيضاء أمثلة أشد وضوحا على الاتجاه المعاكس أيضا. ففي يونيو 2026 صدر مرسوم لنزع ملكية قطعة تبلغ 551 مترا مربعا عند تقاطع شارعي الزرقطوني وأنفا، وهي أرض ارتبطت سابقا بمشروع فندقي، من أجل تخصيصها لمعرض دائم للصناعة التقليدية وتثمين المنتوج المحلي. وهنا ينتقل العقار من مشروع خاص كان مخططا له إلى وظيفة عمومية جديدة.
وعلى نطاق أوسع، يظهر المنطق نفسه في المشروع الملكي القديم وسط المدينة، حيث تتقدم عمليات الهدم وتحرير الوعاء العقاري بعد عقود من التعثر. فالمشروعات الحضرية الكبرى لا تتوقف دائما بسبب غياب التصميم أو التمويل؛ وقد يصبح العقار نفسه هو البنية التحتية الأولى التي يجب إنجازها قبل الشروع في البنية التحتية المرئية.
لهذا يمكن قراءة ما يحدث اليوم باعتباره تحولا مزدوجا. ففي الأحياء المركزية والمبنية بكثافة، يجري تقليص بقايا الملك العام، وتسوية حدود العقارات، وإعادة تدوير بعض الأصول الجامدة. أما في مناطق التوسع والمحاور الجديدة، فتسير الحركة في الاتجاه الآخر: البحث عن الأرض وانتزاعها أو اقتناؤها حتى تتمكن الطرق والتجهيزات المستقبلية من المرور.
ولا يعني ذلك أن كل عملية جزء من مخطط عقاري مركزي واحد، ولا أنها تتحرك كلها بالسرعة نفسها. لكن تجميع الحالات يكشف نمطا لا يظهر عند النظر إلى كل عقار منفردا: في المركز تحاول الدار البيضاء تصحيح الخريطة العقارية التي ورثتها، وفي مناطق التحول تحاول صناعة الخريطة التي ستحتاجها مستقبلا.
وهكذا تصبح الأرض واحدة من أفضل الطرق لقراءة التحول الجاري في المدينة. فالطريق تبدأ قبل الإسفلت برسم عقاري، والحديقة تبدأ قبل الأشجار بتحرير وعاء، والمشروع المتعثر يمكن أن ينتهي ببيع الأصل الذي كان يفترض أن يحتضنه. وبين البيع والتسوية ونزع الملكية وإعادة التصنيف، تعيد الدار البيضاء بالتدريج توزيع وظائف أرضها.
