84% من ميزانية الحي المحمدي نُفذت: ماذا تحقق على الأرض؟

أعلنت مقاطعة الحي المحمدي بالدار البيضاء، في 31 غشت 2026، أن نسبة تنفيذ ميزانيتها برسم السنة المالية الجارية بلغت 84 في المائة. والآن، بعد شهرين من هذا الإعلان، يبدو أن الرقم يستحق الاهتمام بالفعل، لا فقط باعتباره مؤشرًا على تقدم تنفيذ الميزانية، وإنما أيضًا لما يثيره من تساؤلات حول النتائج التي تحققت على أرض الواقع، ومدى انعكاسها على الخدمات والمرافق التي يستفيد منها سكان المقاطعة.

نعم، إن تنفيذ الميزانية يمثل دون شك جانبًا من جوانب التدبير المالي، لكنه لا يقدم، بمفرده، صورة مكتملة عن حصيلة العمل الجماعي. فبين الاعتمادات المالية المرصودة، والنفقات الملتزم بها أو المؤداة، والأشغال المنجزة، والمرافق التي دخلت حيز الاستعمال، توجد مراحل مختلفة ينبغي التمييز بينها عند تقييم نتائج الإنفاق العمومي.

ولعل أول ما يستدعي التوضيح في إعلان المقاطعة هو المقصود الدقيق بنسبة 84 في المائة، والأساس المالي الذي احتُسبت انطلاقًا منه. فالبلاغ الذي أعلن هذه النسبة لم يقدم تفصيلًا للمبالغ المعنية، ولا توزيعًا لها بحسب أبواب النفقات أو المشاريع. ولذلك يصعب، اعتمادًا على هذا الرقم وحده، تحديد حجم الموارد التي تمت تعبئتها فعليًا، أو طبيعة العمليات المالية التي شملها التنفيذ.

وتزداد أهمية هذا التوضيح عندما نعود إلى المعطيات التي سبق للمقاطعة نفسها أن نشرتها بشأن تقدم عدد من الأوراش المحلية.

ففي 24 مارس 2026، أعلنت المقاطعة أن نسبة إنجاز ملعبَي العنترية وحي المشروع بلغت 90 في المائة، وأن الأشغال بثلاثة ملاعب في حي السككيين تجاوزت 40 في المائة. كما أفادت بأن أشغال شارعي الفوارات والموحدين وصلت إلى 50 في المائة، مع توقع استكمالها بنهاية شهر ماي من السنة نفسها.

وفي التقرير ذاته، بلغت نسبة تقدم أشغال تهيئة حي المشروع، في شطرها الثاني، 65 في المائة، مقابل 50 في المائة ببلوك بازيل، ونحو 20 في المائة بالنسبة إلى حديقة الديوانة.

هذه المعطيات مهمة لأنها توفر مؤشرات مرجعية تسمح بتتبع تطور المشاريع خلال السنة. غير أن نسب الإنجاز المعلنة في مارس لا تكفي لمعرفة وضعيتها في نهاية أكتوبر. فالمطلوب، من أجل تكوين صورة دقيقة، هو الاطلاع على حصيلة محينة تبين الأشغال التي اكتملت، والمرافق التي أصبحت جاهزة للاستعمال، والمشاريع التي لا تزال قيد التنفيذ، مع توضيح أسباب أي تعديل محتمل في الآجال المعلنة.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن بلاغ اجتماع المكتب المسير بتاريخ 31 غشت أشار إلى متابعة عدد من الأوراش، من بينها صيانة الطرق والفضاءات الرياضية والحدائق. كما عادت اجتماعات لاحقة إلى تناول بعض المرافق والمشاريع المحلية. وهذه المتابعة تندرج ضمن العمل العادي للمؤسسات المنتخبة، ولا تعني، في حد ذاتها، وجود تأخر أو تعثر. لكنها تؤكد أهمية نشر حصيلة دورية تسمح بتتبع انتقال المشاريع من مرحلة البرمجة إلى الإنجاز ثم الاستعمال.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات. فليس كل مشروع ينجز داخل المجال الترابي للحي المحمدي ممولًا من ميزانية المقاطعة أو خاضعًا لتدبير مكتبها المسير. ذلك أن بعض الأوراش قد تدخل ضمن اختصاص جماعة الدار البيضاء، أو تنفذها مؤسسات وشركات عمومية وجهات أخرى. ومن ثم، فإن تقييم حصيلة المقاطعة يقتضي التمييز بين المشاريع التي تدبرها مباشرة، وتلك التي تساهم في تتبعها أو التنسيق بشأنها دون أن تكون الجهة المسؤولة عن تمويلها وتنفيذها.

ولهذا السبب، فإن المقارنة المباشرة بين نسبة تنفيذ الميزانية ومجموع الأوراش الموجودة داخل تراب المقاطعة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، سواء في اتجاه تحميل المكتب المسير مسؤوليات لا تدخل ضمن اختصاصاته، أو في اتجاه احتساب مشاريع ممولة من جهات أخرى ضمن حصيلته المالية.

وإذا كان الإعلان عن نسبة تنفيذ الميزانية يوفر معلومة مفيدة بشأن سير التدبير المالي، فإن قيمته بالنسبة إلى السكان تزداد عندما يكون مصحوبًا بمعطيات تكميلية: حجم الاعتمادات المعنية، وطبيعة النفقات، والمشاريع المستفيدة، ونسب تقدم الأشغال، والمرافق التي دخلت الخدمة.

فمثل هذه المعطيات لا تساعد فقط على تقييم نتائج الإنفاق العمومي، بل تتيح أيضًا إبراز ما تحقق بالفعل، وتفسير الصعوبات التي قد تعترض بعض المشاريع، وتحديد المسؤوليات المؤسسية بصورة أكثر وضوحًا.

ولا يتعلق الأمر، هنا، بالتشكيك في صحة النسبة التي أعلنتها مقاطعة الحي المحمدي، أو بافتراض وجود خلل في تدبير ميزانيتها. فالمعطيات المتاحة لا تسمح بمثل هذا الاستنتاج. وإنما يتعلق الأمر بالحاجة إلى استكمال المعلومة المالية بمؤشرات ملموسة عن نتائجها.

ذلك أن السكان لا يتعاملون مع الميزانية بوصفها أرقامًا مجردة، بل يلمسون أثرها من خلال حالة المجال المقاطعاتي، وجودة الفضاءات العمومية، وتوفر المرافق الرياضية والثقافية، ومستوى الخدمات المحلية.

والنتيجة أن نسبة 84 في المائة تظل معطى ماليًا يستحق التوضيح والتفصيل، لا حكمًا نهائيًا على حصيلة التدبير. أما التقييم المتوازن لما تحقق في الحي المحمدي، فيبدأ من الربط بين الموارد المالية، والمشاريع المنجزة، والخدمات التي أصبحت متاحة للسكان.

فالسؤال ليس فقط إلى أي حد نُفذت الميزانية، وإنما أيضًا ماذا أنتج هذا التنفيذ، ولمن، وبأي نتائج ملموسة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *