حين نتحدث عن السياحة في محيط الدار البيضاء، غالبا ما يتجه التفكير إلى المدينة نفسها أو إلى بعض الوجهات المعروفة على امتداد الساحل. لكن منطقة دار بوعزة تفرض نفسها اليوم باعتبارها واحدة من أكثر الواجهات البحرية قدرة على لعب دور أكبر في الخريطة السياحية للعاصمة الاقتصادية. فهي لم تعد مجرد منطقة صيفية يقصدها سكان الدار البيضاء في عطلة نهاية الأسبوع، بل أصبحت جماعة كبيرة، ذات كثافة سكانية مرتفعة، وشريط ساحلي واسع، ونشاط متزايد في الإقامة والمطاعم والرياضات البحرية.

وفي قلب هذا التحول يوجد مشروع تهيئة كورنيش دار بوعزة الذي يمتد على حوالي 14 كيلومترا، من ملتقى واد مرزك إلى ملتقى طماريس 2، بكلفة إجمالية تبلغ 59 مليون درهم. وقد ساهمت وزارة الداخلية، عبر المديرية العامة للجماعات الترابية، بمبلغ 50 مليون درهم، فيما بلغت مساهمة جماعة دار بوعزة 9 ملايين درهم. وتعرض شركة الدار البيضاء للتهيئة المشروع حاليا باعتباره منجزا.
أهمية المشروع لا تكمن فقط في طوله أو كلفته، بل في الوظيفة التي أريد له أن يؤديها. فتهيئة الكورنيش شملت فتح ولوج مباشر إلى الشواطئ، وإحداث مركزين للوقاية المدنية، وبرجين ثابتين، وستة أبراج متنقلة للمراقبة، ومركزين للدرك الملكي، ومركزين لخدمات الجماعة، ومركزين للقوات المساعدة، إضافة إلى مستوصفين، أي أن المشروع لا يعالج الواجهة البحرية من زاوية جمالية فقط، بل من زاوية الأمن والخدمات والراحة وتنظيم الاستعمال أيضا.
يكتسي هذا أهمية خاصة في حالة دار بوعزة بالخصوص، لأن الساحل لم يعد فضاء موسميا يستعمل بضعة أشهر في السنة. فقد بلغ عدد سكان الجماعة، حسب إحصاء 2024، 298.218 نسمة موزعين على 82.747 أسرة، ما يجعل دار بوعزة واحدة من أكبر الجماعات داخل إقليم النواصر وأكثرها كثافة سكانية.
بهذا الحجم، يصبح الكورنيش في الوقت نفسه بنية سياحية وفضاء عموميا يوميا للسكان. وهذه إحدى نقاط قوة المشروع، لأن الوجهات الساحلية الناجحة هي تلك التي لا تعيش فقط خلال فصل الصيف، بل تتحول واجهتها البحرية إلى جزء من الحياة الحضرية طوال السنة.
ويملك الساحل نفسه مقومات تساعد على ذلك. فجاك بيتش مثلا معروف بظروف مناسبة لممارسة رياضة ركوب الأمواج، مع وجود مدارس للسورف ومرافق لتأجير المعدات، إلى جانب المقاهي والمطاعم والمجال الطبيعي المحيط بالشاطئ. كما يقدم المجلس الجهوي للسياحة دار بوعزة باعتبارها وجهة تقع على بعد نحو 15 كيلومترا من الدار البيضاء، تجمع بين الشواطئ والأنشطة البحرية والرحلات بالقوارب والصيد التقليدي وتجربة تناول السمك الطازج في طماريس.
وهذا التنوع ذو أهمية بالغة، لأنه يسمح لدار بوعزة بتجاوز صورة الشاطئ وحده. فالساحل يمكن أن يقدم تجربة تجمع الاستجمام والرياضات المائية والمطاعم والمشي والأنشطة العائلية والصيد والترفيه. وقد بدأت هذه الإمكانات تظهر بصورة أوضح خلال صيف 2026، حيث جرى تجهيز شواطئ طماريس 1 و2 و3 بخدمات مجانية جديدة، من بينها شبكة Wi-Fi، ومسبح لتعلم السباحة، وتجهيزات للغوص، ونحو 500 مظلة شمسية مجانية على طماريس 1 و2، و600 حاوية للنفايات، ومرافق صحية ودوشات، إضافة إلى تسعة مراكز للمراقبة بين طماريس 1 وطماريس 3. كما أُعلن عن احتضان الشواطئ لأكثر من 13 بطولة وطنية في الرياضات المائية خلال الموسم.
ولم تظل هذه التحسينات من دون نتيجة رمزية مهمة. ففي يوليوز 2026 حصل شاطئ طماريس 2 على شارة “اللواء الأزرق”، وهي علامة بيئية وسياحية ترتبط بجودة مياه الاستحمام، ونظافة الشاطئ، والتجهيزات، والسلامة، والتدبير البيئي. وترافقت هذه الشارة مع تجهيزات من بينها ممرات خشبية، ومرافق صحية، ودوشات، وWi-Fi مجاني، ومسبح، ومراكز للتنسيق الأمني والخدماتي.
كما شهد طماريس 3 عملية تأهيل واسعة خلال صيف 2026، بعد أن كان من أقل أجزاء الساحل تجهيزا، مع هدف معلن يتمثل في إدخاله بدوره إلى برنامج “شواطئ نظيفة” والتأهل مستقبلا للحصول على اللواء الأزرق.
هذه المؤشرات تعطي معنى أوسع لمشروع الكورنيش. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط برصيف أو طريق ساحلية، بل بعملية تدريجية لبناء واجهة بحرية أكثر تنظيما، وتحسين تجربة الزائر، ورفع مستوى الخدمات، وربط الشواطئ ببعضها ضمن فضاء واحد.
وهذا بالضبط ما تحتاج إليه دار بوعزة إذا أرادت أن تتحول من مجرد امتداد ساحلي للدار البيضاء إلى وجهة قائمة بذاتها. فالدار البيضاء تمنحها سوقا هائلة على أبوابها: ملايين السكان يعيشون على مسافة قصيرة، ويبحثون باستمرار عن فضاءات قريبة للاستجمام والمطاعم والرياضة وقضاء نهاية الأسبوع. وهذه ميزة تنافسية لا تتوفر لكثير من الوجهات السياحية.
لكن تحويل هذه الحركة إلى قيمة سياحية واقتصادية دائمة يحتاج إلى أكثر من الشاطئ. ذلك أن الكورنيش يمكن أن يكون العمود الفقري الذي يجمع بقية المكونات الموجودة أصلا: جاك بيتش، طماريس، واد مرزك، المطاعم والمقاهي، الرياضات البحرية، نقطة الصيد التقليدي، الإقامات السياحية والفضاءات الترفيهية. وعندما ترتبط هذه العناصر في تجربة واحدة، يصبح الزائر قادرا على قضاء يوم كامل أو نهاية أسبوع دون أن يشعر أنه انتقل بين فضاءات منفصلة.
كما أن الاستثمار في الكورنيش يمكن أن يفيد الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة. فزيادة مدة بقاء الزائر تعني إنفاقا أكبر في المطاعم والمقاهي والخدمات والأنشطة الرياضية والإقامة. وتتحول بذلك الواجهة البحرية من فضاء استهلاك موسمي إلى مجال اقتصادي يمكن أن يولد نشاطا طوال السنة.
ويظل أمام دار بوعزة هامش مهم لتطوير هذا المكسب، حيث يمكن مستقبلا تعزيز مسارات المشي والدراجات، وتوحيد الإشارات والهوية البصرية للكورنيش، وتنظيم الأنشطة التجارية والترفيهية بصورة أفضل، وربط مختلف الشواطئ والنقاط السياحية ضمن مسارات واضحة، وتوسيع العرض الثقافي والرياضي المرتبط بالبحر. وهذا لا يعني، بالطبع، أن الكورنيش لم يحقق أهدافه, بل العكس من ذلك تماما فإن القيمة الكبرى للمشروع تكمن في كونه قد أنشأ بنية يمكن البناء عليها في مراحل لاحقة.
كما أن دار بوعزة تملك ميزة أخرى لا ينبغي إغفالها، وهي وجود حياة محلية حقيقية إلى جانب النشاط السياحي. فهي ليست منتجعا مغلقا ولا منطقة مبنية للسائح فقط. بل يعيش فيها مئات الآلاف من السكان، وتتوفر على شبكة من الخدمات والمطاعم والتجارة والأنشطة اليومية.
هذه الحيوية يمكن أن تمنح الوجهة طابعا أكثر أصالة واستدامة، إذا تمت المحافظة على التوازن بين التوسع العمراني واستعمال الساحل كفضاء عمومي مفتوح. ومن هذه الزاوية، يبدو مشروع الكورنيش جزءً من تحول أوسع تعرفه دار بوعزة. فالمنطقة التي كانت قبل سنوات تُعرف أساسا باعتبارها فضاء للسباحة والإقامة الصيفية، تتحول تدريجيا إلى قطب حضري وساحلي كبير ملاصق للدار البيضاء.
