فجوة كبيرة في تنفيذ المشاريع بجهة الدار البيضاء

تكشف حصيلة تنفيذ المشاريع بجهة الدار البيضاء–سطات عن فجوة واضحة بين القدرة على برمجة المشاريع وتعبئة الاتفاقيات والتمويلات من جهة، وتحويلها إلى إنجازات فعلية على الأرض من جهة أخرى. فبينما تجاوزت نسبة تفعيل برنامج التنمية الجهوية 96 في المائة، بلغ متوسط تقدم إنجاز المشاريع التي دخلت مرحلة التنفيذ نحو 55 في المائة فقط.

ومنذ بداية الولاية الحالية، صادق مجلس الجهة على 515 اتفاقية تعبئ استثمارات إجمالية تناهز 92.7 مليار درهم، تساهم الجهة فيها بنحو 21.3 مليار درهم. لكن 240 اتفاقية فقط، بقيمة إجمالية تقارب 59 مليار درهم، حصلت حتى نهاية شتنبر 2026 على التأشيرات اللازمة وأصبحت جاهزة للتنفيذ.

وتكشف هذه الأرقام أن المصادقة على الاتفاقيات ليست سوى حلقة أولى في مسار قد يكون طويلًا قبل ظهور المشروع على الأرض. فبعد التصويت تبدأ مراحل أخرى تتعلق بتوقيع الشركاء والتأشير وتعبئة التمويل والدراسات وإطلاق الصفقات ثم تنفيذ الأشغال.

وتظهر هذه المسافة بصورة أوضح في برنامج التنمية الجهوية 2022–2027، الذي تبلغ كلفته نحو 44.6 مليار درهم، منها 12.5 مليار درهم مساهمة للجهة. ورغم بلوغ البرنامج مستوى مرتفعًا من التفعيل، فإن متوسط تقدم المشاريع التي دخلت التنفيذ استقر في حدود 55 في المائة. أما المشاريع الموجودة خارج البرنامج، والمرتبطة باتفاقيات تبلغ قيمتها نحو 14.7 مليار درهم، فلا يتجاوز تقدم إنجازها الإجمالي حوالي 36 في المائة.

ولا تسير جميع الأوراش بالوتيرة نفسها. فقد بلغ تقدم مشروع نقل مياه محطة التحلية بالدار البيضاء نحو 96 في المائة، ووصلت أشغال 25 محطة لإزالة ملوحة المياه إلى حوالي 93 في المائة. في المقابل، بلغت نسبة تقدم أشغال الطرق المؤدية إلى الملعب الكبير نحو 45 في المائة، فيما وصلت مشاريع السكك الحديدية المرتبطة بالقطار فائق السرعة والقطارات الجهوية وشبكة النقل السريع إلى نحو 50 في المائة، وفق المعطيات المقدمة خلال عرض حصيلة الجهة.

ويظهر التفاوت كذلك في المناطق اللوجستية والصناعية. فمن أصل نحو 2373 هكتارًا مبرمجة، انطلقت الأشغال في حوالي 786 هكتارًا فقط، تشمل مناطق لغديرة وأهل لغلام وزناتة والشطر الأول من أولاد صالح، بينما توجد نحو 1587 هكتارًا أخرى ضمن اتفاقيات لم تصل بعد إلى مرحلة الأشغال.

وتقدم بعض المشاريع الكبرى صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة العوائق التي تفصل القرار عن التنفيذ. فالمنصة الجهوية للصناعات الغذائية بحد السوالم، التي تقدر كلفتها بنحو 1.5 مليار درهم وتمتد على أكثر من 200 هكتار، لم تدخل بعد مرحلة الإنجاز الفعلي رغم المصادقة على الاتفاقية المتعلقة بها. ويرتبط التأخير، وفق المعطيات المقدمة من الجهة، بالحاجة إلى تحديد الجهة التي ستتولى إنجاز المشروع وتوزيع المسؤوليات في ضوء تطور الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الجهات.

ويواجه مشروع قصر المؤتمرات، الذي تقدر كلفته بدوره بنحو 1.5 مليار درهم، عراقيل من طبيعة أخرى. فالمشروع لا يزال مرتبطًا بحسم موقعه وبقضايا تتعلق بالعقار والتركيب القانوني والمالي واتخاذ القرارات الضرورية للانتقال إلى التنفيذ.

ولا تعني هذه الفجوة بالضرورة غياب التمويل أو توقف المشاريع. فهي تكشف، في جانب منها، عن تعقيد نموذج الاستثمار الجهوي نفسه. فحجم المشاريع التي تصادق عليها الجهة يتجاوز بكثير موارد ميزانيتها السنوية، مما يجعل تنفيذها مرتبطًا بشبكة واسعة من الوزارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والشركات والشركاء الماليين.

وبذلك لا تبدو المشكلة الأساسية في جهة الدار البيضاء–سطات نقصًا في المشاريع أو الاتفاقيات. فالأرقام تشير، على العكس، إلى قدرة كبيرة على البرمجة وتعبئة الاستثمارات. بل إن التحدي الحقيقي هو تقليص المسافة بين المشروع الذي يُبرمج ويُموَّل ويُصادق عليه، والمشروع الذي يتحول في النهاية إلى طريق أو منطقة صناعية أو مرفق أو خدمة يستفيد منها السكان والاقتصاد.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *