الدار البيضاء توسع شبكة الحافلات نحو الأطراف

تتجه شبكة النقل الحضري بالدار البيضاء نحو توسيع تغطيتها للمناطق السكنية الواقعة على أطراف المدينة، بعدما تم الإعلان عن إطلاق خمسة خطوط جديدة للحافلات خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026. ويكشف توزيع هذه الخطوط عن توجه نحو ربط التجمعات السكنية المتنامية بالمؤسسات الجامعية والمستشفيات والمناطق التجارية ووسط العاصمة الاقتصادية، في محاولة لمواكبة الامتداد العمراني الذي أصبحت معه المسافة بين السكن والخدمات أحد التحديات اليومية للتنقل.

ففي 26 أكتوبر، دخل الخطان 511 و52 حيز الخدمة ضمن شبكة “كازاباص” التي تتولى شركة “ألزا” تشغيلها. ويربط الأول منطقة الرحمة بالكليات الواقعة على طريق الجديدة، مرورًا بالألفة وليساسفة، بينما يصل الثاني بين “بارك الرحمة” ومستشفى الصوفي، عبر عدد من الأحياء السكنية والمرافق الصحية والمناطق الساحلية.

وبعد خمسة أيام، أعلنت الشركة إطلاق ثلاثة خطوط إضافية ابتداءً من 31 أكتوبر. ويتعلق الأمر بالخط 607 الرابط بين مديونة ومصحة سيدي عثمان، مرورًا بالطريق الوطنية التاسعة وتيط مليل وحيي النعيم والتشارك، والخط 54 الذي يصل منطقة دار 16 بساحة الأمم المتحدة عبر ليساسفة وعزبان 1 وطريق الجديدة وشارع إبراهيم الروداني، ثم الخط 12 الرابط بين الأزهر وفرح السلام ومستشفى الصوفي، مرورًا بالحي الحسني وعين الذئاب والكورنيش.

ولا تكمن أهمية هذه الخطوط في عددها وحده، بل في طبيعة المجالات التي تربط بينها. ذلك أن جزءً مهمًا من التوسع العمراني للدار البيضاء يجري في مناطق بعيدة نسبيًا عن المركز التاريخي للمدينة، بينما تظل العديد من فرص العمل والدراسة والخدمات الصحية والإدارية موزعة على محاور أخرى. ولهذا تصبح شبكة النقل العمومي عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة السكان على الاستفادة من المرافق والخدمات، لا مجرد وسيلة للانتقال بين الأحياء.

وتقدم منطقة الرحمة مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالخط 511 يربطها بالمؤسسات الجامعية عبر الألفة وليساسفة، وهو مسار يهم خصوصًا الطلبة والأسر التي يرتبط تنقل أفرادها اليومي بالدراسة. أما الخط 52 فيتجه نحو المرافق الصحية والشريط الساحلي، ويتيح بذلك مسارًا إضافيًا بين مناطق السكن وعدد من الوجهات التي تستقطب المرتفقين والعاملين والزوار.

وفي الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية، يكتسي الخط 607 أهمية مختلفة، لأنه يربط مديونة وتيط مليل بأحياء داخل المجال الحضري للدار البيضاء. وبمعنى آخر، فإن توسع شبكة الحافلات لا يقتصر على إعادة توزيع التنقل داخل المدينة، بل يشمل كذلك تعزيز الصلات بين الدار البيضاء ومجالاتها المحيطة، حيث تتداخل الوظائف السكنية والاقتصادية والخدماتية.

وليس هذا التوجه جديدًا تمامًا. ففي مارس 2026، شهدت الشبكة إطلاق الخط 302 بين الرحمة وبن عبيد بدار بوعزة، والخط 308 بين المعاريف وبساتين بوسكورة. ويشير الجمع بين توسعات مارس وأكتوبر إلى اهتمام متزايد بمحاور الامتداد الحضري جنوب الدار البيضاء وغربها، وبالمناطق التي أصبحت تستقبل تجمعات سكنية وأنشطة اقتصادية خارج المركز التقليدي.

غير أن توسيع التغطية الجغرافية يطرح سؤالًا آخر يتعلق بفعالية الخدمة. فإضافة خط جديد تعني إتاحة مسار إضافي للتنقل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات انخفاض مدة الرحلات أو تقليص الانتظار أو تخفيف الاكتظاظ. وتتوقف هذه النتائج على عدد الحافلات المخصصة لكل خط، وتواتر مرورها، وساعات تشغيلها، وانتظامها، ومدى ملاءمة محطاتها للحاجيات الفعلية للسكان.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في مدينة تتوفر كذلك على أربع خطوط للترامواي وخطين للباصواي. فالتحدي لم يعد مقتصرًا على توسيع كل شبكة على حدة، وإنما يشمل أيضًا تسهيل الانتقال بين مختلف وسائل النقل. ذلك أن الراكب الذي يحتاج إلى استعمال الحافلة ثم الترامواي للوصول إلى وجهته يقيس جودة الخدمة بالمدة والكلفة الإجماليتين للرحلة، وليس بعدد الخطوط المتاحة نظريًا.

وفي هذا الصدد، لا تتوفر بعد معطيات تشغيلية منشورة ومتحقق منها تسمح بقياس أثر الخطوط الخمسة الجديدة على أزمنة التنقل أو أعداد المستفيدين. كما لا توجد معطيات كافية لإثبات وجود تكامل في التعريفة بين حافلات “كازاباص” وشبكة الترامواي والباصواي، رغم وجود نظام مشترك للتذاكر والاشتراكات داخل الشبكة الأخيرة.

ولعل القيمة الحقيقية لهذا التوسع ستظهر عندما يصبح بالإمكان مقارنة وضعية الأحياء المعنية قبل تشغيل الخطوط الجديدة وبعده، سواء من حيث زمن الوصول إلى الجامعات والمستشفيات، أو انتظام الرحلات، أو كلفة التنقل بالنسبة إلى الأسر.

فالدار البيضاء لا تواجه تحدي نقل سكانها بين نقطتين فحسب، بل تواجه أيضًا تحدي ربط مدينة تتسع باستمرار بمرافقها وفرصها الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا فإن نجاح توسيع شبكة الحافلات لن يُنظر إليه في النهاية باعتبار عدد الخطوط المضافة، وإنما بقدرتها على جعل المسافات اليومية أقل كلفة وأقصر زمنًا وأكثر انتظامًا.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *