الدار البيضاء تستثمر في رَكْنِ العَرَبَات

لم يعد رَكْن العربات في الدار البيضاء يتعلق فقط بالعثور على مكان فارغ بجانب الرصيف. فالمدينة تستثمر اليوم مئات ملايين الدراهم في المرابض، وتعيد تنظيم الركن في الشوارع، وتستعد لرقمنة الأداء والمراقبة. وبين الخرسانة والتسعير والبيانات يتشكل قطاع حضري قائم بذاته، لم تعد وظيفته استيعاب السيارات فقط، بل استعمال الركن كأداة لتنظيم الحركة واستعادة المجال العام وإدارة مورد نادر هو المكان.

وتكشف المرائب الجديدة حجم هذا التحول. فقد دخل مربض مثلث الفنادق الخدمة في نهاية نونبر 2024 باستثمار بلغ 180 مليون درهم، وبطاقة استيعابية تصل إلى 551 سيارة موزعة على مستويين تحت الأرض. لكن الأهم أن المشروع لم ينتج أماكن للسيارات فقط، إذ أتاح في المقابل تهيئة نحو 12 ألف متر مربع من الفضاء العمومي فوقه.

وهنا يظهر أول معنى للاستثمار في الرَّكْن. فالمدينة لا تحفر تحت الأرض لكي تجد للسيارات مكانا وحسب، وإنما لكي تستعيد فوق الأرض مساحة يستطيع الراجل والفضاء العام استعمالها. ومعنى ذلك أن المربض تحت الأرض يصبح، في بعض المواقع، ثمنا تدفعه المدينة لإخراج السيارة من سطحها.

ويظهر المنطق نفسه بصورة أوضح في مشروع ابن طفيل بالمعاريف. فالمشروع يستهدف إنشاء نحو ألف مكان للركن تحت الأرض، داخل وعاء تبلغ مساحته نحو 18 ألف متر مربع، بينما يتحول السطح إلى فضاء عمومي مزروع ومجهز. وتبلغ الكلفة المرتقبة للأشغال 222 مليون درهم، إضافة إلى 8.8 ملايين درهم لخدمات التصميم والإشراف، على أن تمتد الأشغال نحو 18 شهرا.

لكن زيادة عدد المرابض لا تحل المشكلة تلقائيا. فالمفارقة التي تواجه الدار البيضاء أن الشارع يمكن أن يكون مكتظا بالسيارات في الوقت الذي لا تستعمل فيه بعض المرابض المتاحة بكامل طاقتها. ولذلك فالتحدي الحقيقي لا يبدأ عند بناء المكان، وإنما عند جعل السائق يختاره.

وهنا يتحول ملف الركن من مسألة هندسية إلى مسألة سلوك وتنظيم. فالسيارة التي تجد مكانا غير منظم قرب الوجهة قد لا تدخل مربضاً تحت الأرض ولو كان على بعد عشرات الأمتار. وإذا لم تكن هناك مراقبة فعالة للركن فوق الشارع، وتسعيرة مناسبة، وتشوير واضح، وتوجيه نحو الأماكن المتاحة، فقد يتحول استثمار ثقيل في البنية التحتية إلى عرض لا يلتقي تماما مع الطلب.

ولعل هذه هي المعضلة المركزية في سياسة الركن بالدار البيضاء: المدينة لا تحتاج فقط إلى مزيد من أماكن الرَّكن، بل تحتاج إلى جعل الأماكن الموجودة تشتغل كنظام واحد.

فوق الأرض، تتغير الوظيفة بدورها. لقد كان المخطط المديري للركن يستهدف في مرحلة سابقة تنظيم نحو 45 ألف مكان بواسطة العدادات، بينما لم يكن المنجز في بداية 2025 يتجاوز نحو 15 ألف مكان، بحسب معطيات قدمها نائب رئيسة الجماعة المكلف بالملف. وفي مدينة قُدِّر فيها إجمالي العرض بنحو 800 ألف مكان للركن، فإن الجزء الخاضع فعليا لنظام موحد ظل محدودا.

وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تكمن في ندرة الأماكن وحدها. فجزء كبير من الركن موجود أصلا، لكن المدينة لم تحوله بعد إلى خدمة منظمة يمكن معرفة مدتها وتسعيرها ومراقبتها وربطها بسياسة التنقل.

وهذا هو الفرق بين مكان تُترك فيه سيارة، ومكان رَكْنٍ تديره المدينة. فالركن يحتل مساحة من المجال العام طوال مدة وجود السيارة. وكلما طال الاحتلال، انخفض دوران المكان وأصبح أقل قدرة على خدمة مستعملين آخرين. ولذلك فإن التسعير لا يؤدي وظيفة مالية فقط، بل يمكن أن يصبح أداة للتحكم في مدة الاحتلال. ففي قلب المدينة، حيث الطلب شديد والمساحة نادرة، يمكن أن يصبح الركن الطويل نفسه سلوكا تريد سياسة التنقل الحد منه. وقد طُرحت بالفعل مراجعة التعريفة القديمة المحددة في درهمين للساعة، وربط الأسعار بالمناطق والمدة، خصوصا في المركز حيث لا تريد المدينة بقاء السيارة في المكان نفسه لساعات طويلة.

ومن هنا يتغير معنى “استثمار الركن”. فالمدينة لا تستثمر فقط في الأرض التي توجد تحت السيارة، وإنما أيضا في الوقت الذي تشغله السيارة فوق الأرض. وكل مكان يمكن استعماله مرة واحدة طوال يوم كامل يختلف اقتصاديا ومروريا عن مكان تتعاقب عليه سيارات متعددة.

لكن هذا القطاع يحمل كذلك قيمة مالية مباشرة. ففي أكتوبر 2025 كانت معطيات مرتبطة بإعادة هيكلة نظام العدادات تشير إلى أن الركن المنظم يدر على المدينة مداخيل محدودة قياسا بحجم المجال الذي يحتله وبحجم الاستثمارات المرتبطة به. وفي الوقت نفسه قُدرت كلفة المرابض التي شيدتها المدينة بنحو 1.5 مليار درهم، وهو ما يوضح أن الغاية المعلنة من السياسة لا يمكن اختزالها في استرجاع الاستثمار بواسطة تعريفة الركن، بل ترتبط أساسا بتنظيم الحركة واستعمال المجال.

وهذا التمييز مهم. فالمربض ليس بالضرورة مشروعا تجاريا يقاس نجاحه فقط بما يدره من أموال. وقد تكون مردوديته في تخفيف الضغط عن الشارع، أو تحرير ساحة عمومية، أو تقليص الركن العشوائي، أو رفع دوران السيارات في منطقة تجارية. لكن ذلك يطرح في المقابل سؤالا لا يقل أهمية: كيف تعرف المدينة أن الاستثمار نجح فعلا؟

فالدار البيضاء تنشر عادة كلفة إنجاز المرابض وطاقتها الاستيعابية، بينما لا تظهر في المعطيات المفتوحة بالوضوح نفسه مؤشرات دورية عن معدلات إشغال كل مربض، وعدد السيارات التي تستعمله يوميا، ومتوسط مدة الركن، والمداخيل التي يحققها، ومدى تأثيره في الشوارع المحيطة.

وهذه فجوة ليست تقنية فقط. فبدون هذه الأرقام يصبح من السهل معرفة كم أنفقت المدينة لبناء المكان، بينما يبقى من الصعب معرفة ما إذا كان السائق قد غادر الشارع ليستعمله.

ولهذا تكتسب الرقمنة أهميتها. ففي يونيو 2026 أطلقت “الدار البيضاء للبيئة” مسارا لاختيار حل رقمي موحد لتدبير الركن، يسمح بالأداء عن بعد وتجديد الاشتراكات وإصدار وصولات رقمية ومعالجة الشكايات، ويمنح أعوان المراقبة إمكانية التحقق الفوري من الأداء. كما يتضمن أداة معلوماتية مركزية لمتابعة العمليات والمعاملات.

قد يبدو الأمر في الظاهر مجرد تطبيق جديد، لكنه يمثل تحولا أعمق. فالعداد التقليدي يدبر مكانا؛ أما المنصة الرقمية فتستطيع أن تدير معلومة عن المكان: متى استُعمل، وكم بقيت السيارة، ومتى انتهى الأداء، وأين يتركز الطلب، وكيف تتحرك المداخيل، وأين ترتفع المخالفات.

وبذلك ينتقل الركن تدريجيا من الخرسانة والحديد إلى البيانات. وهذا التحول ضروري إذا أرادت المدينة تجاوز منطق التعامل مع كل مربض أو شارع بصورة منفصلة. فمربض تحت الأرض، وعداد فوق الشارع، وتطبيق على الهاتف، وعون مراقبة في الميدان، تشكل كلها بنية ينبغي في النهاية أن تصبح جزءً من النظام نفسه، لا تجهيزات متجاورة لا تتبادل المعلومات. بل إن تنظيم الركن يمكن أن يصبح أحد الأدوات التي تحدد شكل الحركة نفسها. فعندما يكون الركن في مركز المدينة رخيصا ومتاحا لساعات طويلة، تصبح السيارة أكثر جاذبية للوصول إليه. وعندما تصبح المدة محدودة، والتعريفة مرتبطة بمستوى الضغط، والمرابض معروفة ومتصلة بنظام توجيه واضح، تتغير العلاقة بين السائق والمكان.

لذلك لا يمكن قياس نجاح سياسة الركن بعدد الأماكن الجديدة وحده. فقد تضيف المدينة ألف مكان ثم تجد الشوارع المحيطة بها محتلة كما كانت. وقد تنظم عددا أقل من الأماكن لكنها ترفع دورانها وتمنع الاحتلال الطويل وتوجه السيارات نحو المرابض، فتكون النتيجة المرورية أكبر.

وهنا تحديدا يوجد الرهان الحقيقي. فالدار البيضاء بدأت تستثمر بكثافة في ركن العربات، لكنها لم تعد تستثمر في السيارة وحدها. بل إنها تستثمر في الأرض التي تختفي تحتها، وفي الفضاء الذي تستعيده فوقها، وفي الوقت الذي تحتله على الرصيف، وفي البيانات التي تنتجها أثناء الركن.

ومع اكتمال هذه الحلقات، لن يكون السؤال مستقبلا كم مربضا قامت الدار البيضاء ببنائه، بل ما إذا كانت قد نجحت فعلا في تحويل آلاف الأماكن المتفرقة إلى نظام واحد يدير علاقة السيارة بالمجال الحضري.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *