طنجة تعيد تشكيل مواردها المالية قبل 2027

تدخل جماعة طنجة السنة المالية 2027 بتوقعات للمداخيل تبلغ 1.242 مليار درهم، في مستوى يقارب تقديرات السنة الجارية، رغم التحسن الذي سجلته التحصيلات خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026. غير أن الدلالة الأهم لهذه الميزانية لا تكمن في حجمها الإجمالي، وإنما في تركيبة مواردها، التي تكشف أن الجماعة تعتمد على مداخيل ذاتية تمثل أقل من نصف ميزانيتها المتوقعة، مقابل موارد محولة تشكل النسبة الأكبر.

فقد صادق المجلس الجماعي، خلال دورته العادية المنعقدة في فاتح أكتوبر 2026، على مشروع ميزانية السنة المقبلة، الذي تتوزع مداخيله بين 516.9 مليون درهم من الرسوم الذاتية، و483.1 مليون درهم من الرسوم المحولة، إضافة إلى 242 مليون درهم تمثل حصة الجماعة من منتوج الضريبة على القيمة المضافة.

وتعني هذه الأرقام أن الرسوم الذاتية ستساهم بنسبة 41.6 في المائة من المداخيل المتوقعة، بينما ستوفر الرسوم المحولة 38.9 في المائة، وحصة الضريبة على القيمة المضافة 19.5 في المائة. وبذلك يبلغ مجموع الموردين الأخيرين 725.1 مليون درهم، أي نحو 58.4 في المائة من التقديرات الإجمالية.

ويكشف هذا التوزيع عن خاصية أساسية في البنية المالية للجماعة، تتمثل في أن حجم الموارد التي تعتزم تعبئتها يتجاوز ما تتوقع تحصيله مباشرة من الرسوم الذاتية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة ضعف قدرتها على تنمية مداخيلها، لأن جزءً من الموارد المحولة يرتبط بالمنظومة الجبائية الوطنية وبقواعد توزيع عائداتها بين مستويات التدبير العمومي. ذلك أن الموارد المالية للجماعات لا تتحدد فقط بحجم النشاط الاقتصادي الذي تحتضنه المدن، بل تتأثر كذلك بطبيعة الرسوم المخولة لها، وطرق تحصيلها، وحصصها من الضرائب المحولة. ولهذا فإن دراسة الوضع المالي لطنجة تقتضي التمييز بين القدرة المحلية على تعبئة الموارد وبين البنية القانونية والجبائية التي تنظم تمويل الجماعات الترابية.

وفي هذا السياق، تظهر مؤشرات التحصيل خلال سنة 2026 تطوراً يستحق الانتباه. فقد بلغت المداخيل المحصلة إلى غاية 30 شتنبر نحو 864.6 مليون درهم، مقابل 810.8 ملايين درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة قدرها 53.8 مليون درهم، تعادل 6.6 في المائة.

وتشير هذه الزيادة إلى تحسن التحصيلات الإجمالية المسجلة خلال الفترة المعنية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على تطور الموارد الذاتية، لأن المبلغ يشمل مكونات أوسع من الرسوم التي تحصلها الجماعة بصورة مباشرة. كما أن مقارنة تسعة أشهر بسنة مالية كاملة لا تسمح باستخلاص معدل إنجاز نهائي للميزانية.

ولعل العودة إلى السنوات الأولى من الولاية الجماعية الحالية تساعد على توضيح هذا الفرق. ففي يناير 2023، أعلنت جماعة طنجة أن مواردها الذاتية بلغت، وفق معطيات أولية، 377.76 مليون درهم عند نهاية سنة 2022، مقابل 319.55 مليون درهم سنة 2021، بزيادة تجاوزت 18 في المائة. وكانت الجماعة قد نبهت آنذاك إلى أن أرقام 2022 تظل مؤقتة في انتظار الحصر النهائي من طرف مصالح الخزينة العامة.

فقد أظهرت الموارد الذاتية نمواً خلال تلك الفترة، بينما تكشف ميزانية 2027 عن توقعات أعلى لهذه الموارد، تبلغ 516.9 مليون درهم. غير أن الفرق بين أرقام 2022 وتقديرات 2027 لا يمثل بالضرورة زيادة محققة، لأننا نقارن في الحالة الأولى تحصيلات مسجلة، وفي الثانية موارد منتظرة.

وتظهر أهمية هذا التمييز عندما ننتقل من المداخيل إلى الخيارات المرتبطة باستعمال الموارد الجماعية. فدورة أكتوبر لم تقتصر على المصادقة على مشروع الميزانية، بل شملت أيضاً قرارات تتعلق بالعقار والطرق ومواقف السيارات والتجهيزات، من بينها ملفات تهم مناطق فيلا هاريس والقصبة ومالاباطا وباب المرسى وكاب سبارطيل، إلى جانب مشاريع مرتبطة بمحيط مطار طنجة.

وتعكس هذه الملفات تعدد المجالات التي يتعين على الجماعة تدبيرها، من تهيئة المجال الحضري إلى تنظيم الوقوف والسير وتحسين المرافق العمومية. غير أن مجرد إدراج هذه العمليات ضمن قرارات الدورة لا يسمح بتحديد كلفتها الإجمالية أو إثبات تمويلها من مورد معين، ما لم تتوفر تفاصيل الاعتمادات والاتفاقيات الخاصة بكل مشروع.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه ميزانية 2027 يتجاوز قدرة طنجة على تعبئة 1.242 مليار درهم من المداخيل المتوقعة، ليشمل كيفية تحويل تلك الموارد إلى خدمات وتجهيزات ومشاريع قابلة للقياس. فارتفاع التحصيلات لا يترجم تلقائياً إلى زيادة مماثلة في الاستثمار، لأن النفقات الإجبارية والتزامات التسيير وخدمة الدين وغيرها من الأعباء تؤثر بدورها في هامش القرار المالي.

والنتيجة أن ميزانية طنجة لسنة 2027 تكشف توازناً بين مكونين رئيسيين: موارد ذاتية تستند إلى النشاط الجبائي المحلي، وموارد محولة تؤدي دوراً أساسياً في تمويل الجماعة. وبينهما تتحدد قدرة المدينة على الوفاء بالتزاماتها ومواصلة تجهيز مجالها الحضري. وإذا كانت المؤشرات الأخيرة تدل على تحسن التحصيلات، فإن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطاً بما ستكشفه الحسابات النهائية عن تطور الموارد، وبما ستثبته وثائق التنفيذ عن أثرها في المشاريع والخدمات.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *