لم يعد التهديد الإرهابي الذي تواجهه الأجهزة الأمنية المغربية محصورًا في صورة الخلية المنظمة التي تخطط لتنفيذ اعتداء كبير. فالعمليات الأمنية المعلنة خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2026 تكشف، ضمن حدود المعطيات المتاحة، عن مشهد أكثر تنوعًا، تتجاور فيه حالات التطرف الفردي مع شبكات الدعم والتمويل، وتتقاطع فيه التهديدات المحلية مع امتدادات عابرة للحدود، خصوصًا في اتجاه منطقة الساحل الإفريقي. والنتيجة أن قراءة هذا التهديد من خلال عدد الخلايا المفككة وحده قد لا تكون كافية لفهم طبيعته وتحولاته.

وطبقاً لجرد أولي أعدته قاعدة البيانات التحليلية لمنصة «رهانات» للإعلام الاجتماعي، فقد استهدفت ثماني عمليات أمنية موثقة مبدئيًا، بين مارس والتاسع من أكتوبر 2026، ما مجموعه 25 شخصًا أُعلن عن توقيفهم، بينهم 24 داخل المغرب وشخص واحد في إسبانيا. ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة رسمية شاملة لمكافحة الإرهاب خلال الفترة المذكورة، وإنما عينة من العمليات التي أمكن جمع معطياتها وتصنيفها ومقارنتها.
وتبرز أهمية هذه المعطيات حين ننتقل من مجموع الأرقام إلى طبيعة الملفات. ففي مارس، كشفت عملية أمنية مشتركة بين المغرب وإسبانيا عن بعد دولي للتهديد، بعدما تم الإعلان عن توقيف ثلاثة أشخاص في طنجة وجزيرة مايوركا الإسبانية، على خلفية شبهات تتعلق بدعم أنشطة متطرفة وارتباطات محتملة بشبكات تنشط خارج الحدود. ولا تكمن دلالة هذه العملية في عدد الموقوفين، بقدر ما تكمن في أن مكافحة الإرهاب أصبحت تتطلب تتبع العلاقات والموارد والاتصالات التي قد تربط أشخاصًا موزعين بين بلدان مختلفة.
أما العملية المعلنة في أبريل، والتي شملت ستة مشتبه فيهم بمناطق من بينها القنيطرة والدار البيضاء، فقد أظهرت وجهًا مختلفًا للمسألة. ذلك أن الشبهات لم تقتصر على التحضير المباشر لأعمال عنف، وإنما امتدت إلى أنشطة إجرامية يُشتبه في ارتباطها بتصورات متطرفة تبرر الاستيلاء على أموال الغير. وهنا يصبح الفصل التقليدي بين الجريمة العادية والنشاط الإرهابي أقل بساطة، لأن بعض السلوكات الإجرامية قد تكتسب، بحسب نتائج التحقيق، وظيفة تمويلية أو دافعًا أيديولوجيًا.
وفي ماي ويونيو، برزت ملفات تتعلق بمشتبه فيهم جرى إيقافهم بصورة منفردة أو ضمن حالات محدودة العدد، في الداخلة وميدلت واليوسفية والمضيق وبركان. ومن السابق لأوانه استخلاص تحول إحصائي نحو الإرهاب الفردي اعتمادًا على هذه الحالات وحدها، لكنها تكشف مع ذلك جانبًا مهمًا من طبيعة العمل الوقائي: فغياب خلية كبيرة لا يعني بالضرورة غياب خطر محتمل، مثلما أن توقيف شخص واحد لا يثبت، في حد ذاته، وجود مشروع إرهابي مكتمل الأركان.
وتكتسب عملية يوليوز أهمية خاصة داخل هذا الجرد، بالنظر إلى إعلان توقيف عشرة مشتبه فيهم في سبع مدن مغربية. فالاتساع الجغرافي للعملية، إلى جانب الإشارات المعلنة لارتباطات محتملة بمنطقة الساحل، يطرح مسألة العلاقات التي يمكن أن تجمع بين بؤر التطرف داخل البلاد والتنظيمات الموجودة في محيطها الإقليمي. غير أن هذا الامتداد الجغرافي لا يكفي وحده لإثبات وجود شبكة موحدة أو قيادة عملياتية مشتركة.
ولعل منطقة الساحل تمثل أحد المفاتيح الضرورية لفهم هذا المشهد. فالتحولات الأمنية التي عرفتها المنطقة، وانتشار الجماعات المسلحة فيها، جعلا منها مجالًا يتجاوز تأثيره الحدود الوطنية للدول المعنية مباشرة بالنزاعات. لكن حضور الساحل في بلاغات بعض العمليات المغربية لا يعني أن جميع الملفات مرتبطة به، ولا أن كل حالة تطرف محلية تخضع لتوجيه خارجي. والتمييز بين التأثر الفكري، والتواصل، والدعم اللوجستي، والانتماء التنظيمي الفعلي ضروري لتجنب تحويل علاقات متفاوتة الطبيعة إلى تهديد واحد متجانس.
وتظهر في المقابل أهمية البعد الرقمي، سواء تعلق الأمر بتداول المحتويات المتطرفة أو ببناء العلاقات أو بالحصول على المعارف التقنية. وقد أثارت عملية طنجة المعلنة في أكتوبر الانتباه إلى مواد رقمية وتقنية ورد ذكرها ضمن المحجوزات. لكن وجود مثل هذه المواد لا يثبت بالضرورة تنفيذ نشاط سيبراني عدائي أو امتلاك قدرة عملياتية متقدمة. فالمؤشرات الرقمية تحتاج، شأنها شأن بقية الأدلة، إلى فحص تقني وقضائي يحدد معناها الحقيقي داخل كل ملف.
ومن زاوية أخرى، تكشف العمليات المرصودة عن استمرار الدور المحوري للمعلومات الاستخباراتية في المقاربة المغربية لمكافحة الإرهاب. فالتدخل قبل وقوع اعتداء محتمل يختلف عن التحقيق في اعتداء وقع بالفعل، كما أن نجاح عملية توقيف لا يقدم، بمفرده، صورة كاملة عن حجم التهديد أو تطوره. ولهذا لا يمكن اعتبار ارتفاع عدد التوقيفات دليلًا آليًا على تصاعد الإرهاب، مثلما لا يجوز تفسير انخفاضها باعتباره تراجعًا مؤكدًا للخطر. فقد تتغير الأرقام نتيجة عوامل متعددة، من بينها كثافة العمل الاستباقي، وطبيعة الملفات المكتشفة، ومعايير الإعلان عنها.
ومع ذلك، فإن عشرة أشهر لا تكفي لإصدار حكم نهائي بشأن اتجاه التهديد الإرهابي في المغرب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجرد جزئي للعمليات المعلنة. فقياس التحولات يقتضي المقارنة بين سنوات متعددة، اعتمادًا على تعريفات ثابتة للعمليات والخلايا والموقوفين، مع مراعاة مآلات الملفات أمام القضاء. كما يقتضي التمييز بين النشاط الإرهابي الفعلي والمشاريع المشتبه فيها والأنشطة المرتبطة بالدعم أو التمويل.
ولعل ما يمكن قوله، في حدود المعطيات التي قمنا بتحليلها، هو أن التهديد الإرهابي الذي تواجهه المملكة لا يظهر في شكل واحد، ولا يتحرك بالضرورة داخل حدود جغرافية أو تنظيمية ثابتة. فقد يتعلق الأمر بشخص منفرد، أو بمجموعة محلية، أو بعلاقة دعم تمتد إلى خارج البلاد، أو بنشاط إجرامي تحيط به شبهات أيديولوجية. ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد كم خلية جرى تفكيكها فحسب، بل أي أنواع التهديدات تكشفها العمليات، وكيف تتغير العلاقات بينها.
واستنتاجاً، فإن قراءة عشرة أشهر من مكافحة الإرهاب بالمغرب تقود، في النهاية، إلى خلاصة تتجاوز الأرقام: كلما تعددت أشكال التهديد، ازدادت أهمية القدرة على التمييز بينها. والمعرفة الدقيقة بطبيعة الخطر لا تقل أهمية عن القدرة على التدخل لمواجهته، وهي تبدأ من فصل الوقائع المثبتة عن الشبهات، ومن تحويل الأخبار المتفرقة إلى معطيات قابلة للمقارنة والتحليل.
