عندما نتحدث عن برنامج «مطارات 2030» (Aéroports 2030)، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أوراش التوسعة الكبرى وشركات البناء الضخمة. لكن قيمة البرنامج بالنسبة إلى المقاولات المغربية أوسع بكثير من الإسمنت والخرسانة. فخطة تحديث المطارات لا تقوم فقط على رفع الطاقة الاستيعابية، بل أيضا على إعادة تصميم تجربة المسافر، ورقمنة العمليات، وتحديث الأنظمة التقنية، وإعادة هيكلة طرق التشغيل والصيانة. وهذه كلها تعني أسواقا وصفقات متعددة الطبقات.

صحيح أن جزء من الصفقات الكبرى قد حُسم فعلا. ففي مطار مراكش المنارة، أسند المكتب الوطني للمطارات أشغال التوسعة وإعادة التهيئة إلى “جيت كونتراكتورز” (Jet Contractors) بقيمة تقارب 1.806 مليار درهم دون احتساب الضرائب، مع هدف رفع الطاقة إلى نحو 16 مليون مسافر سنويا. كما أُسندت أشغال أكادير المسيرة إلى الشركة العامة للأشغال بالمغرب.
لكن هذه ليست سوى الطبقة الأكثر وضوحا من السوق. ذلك أن المكتب الوطني للمطارات أطلق، في مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، خلال 2026 طلبات عروض منفصلة لتوريد وتركيب وصيانة نظام معالجة الأمتعة، وتجهيز محطة كهربائية 225/22 كيلوفولت، ومهام هندسة ومساعدة تقنية، وصيانة الأنظمة الكهربائية، إضافة إلى صيانة أنظمة معالجة الأمتعة بمطارات مختلفة. وهذا يعني أن الإنفاق لا يتجه فقط إلى شركات الأشغال الكبرى، بل أيضا إلى شركات الكهرباء الصناعية، والهندسة، والأنظمة الآلية، والصيانة والتجهيزات المتخصصة.
والأمر نفسه يظهر بوضوح في التحول الرقمي. فقد أعلن المكتب الوطني للمطارات أن تحديث المطارات يمر عبر إعادة بناء استراتيجية الأمن السيبراني، ورقمنة العمليات، وحكامة البيانات والتحليلات، وتحسين تجربة المسافر رقميا. وهذه مجالات تفتح أسواقا أمام شركات تكنولوجيا المعلومات، والأمن السيبراني، والشبكات، وتحليل البيانات، والأنظمة المتصلة، لا فقط أمام شركات البناء.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الخدمات اليومية تصبح، هي الأخرى، جزءً من منظومة الصفقات. فالقائمة الحالية لطلبات عروض المكتب تشمل الحراسة، والنظافة، وصيانة أنظمة الإنارة الجوية، وصيانة تجهيزات مناولة الأمتعة، وتكوين الموظفين، وإدارة عربات الأمتعة، وصيانة محطات الكهرباء ذات الجهد المتوسط والمنخفض. وهذه الأمثلة تكشف أن «مطارات 2030» هي في الواقع سلسلة من الأسواق الممتدة من الهندسة الثقيلة إلى الخدمات التشغيلية.
ولذلك يمكن تقسيم المستفيدين المحتملين إلى أربع دوائر. الأولى تضم كبار مقاولي البناء والهندسة الذين يفوزون بالأوراش الضخمة. أما الثانية فإنها تشمل شركات الأنظمة المتخصصة في الكهرباء، ومعالجة الأمتعة، والأمن، والاتصالات، والأتمتة، بينما الثالثة تضم شركات الخدمات المهنية والتشغيلية، مثل الهندسة الاستشارية، وإدارة المشاريع، والصيانة، والحراسة، والنظافة والتكوين. وأخيرا، فإن الدائرة الرابعة تشمل الأنشطة التجارية والخدماتية التي تنمو داخل المطارات نفسها: المطاعم، والمتاجر، والصرف، والإعلانات، ومواقف السيارات والخدمات الموجهة للمسافرين.
هكذا فإن الصفقات الكبرى قد تذهب إلى أسماء معروفة. لكن آلاف التفاصيل التي تجعل المطار يعمل يوميا تظل سوقا مفتوحة أمام مقاولات أكثر تخصصا. وهذه، ربما، هي الفرصة التي لا تظهر عندما يتم الاكتفاء بالنظر إلى قيمة المشروع الإجمالية.
