مصانع الذكاء الاصطناعي تدخل المغرب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد برمجيات تُستعمل عبر الإنترنت. فخلف النماذج التي تولد النصوص والصور وتحلل البيانات توجد بنية صناعية ثقيلة تستهلك مساحات كبيرة من مراكز البيانات، وآلاف وحدات المعالجة الرسومية، وكميات ضخمة من الكهرباء، وأنظمة متطورة للتبريد والاتصالات والأمن السيبراني. وهذه البنية، التي أصبحت شركات التكنولوجيا تسميها “مصانع الذكاء الاصطناعي” بدأت تدخل المغرب فعليا من بوابة مشاريع كبرى للحوسبة عالية الأداء.

أكثر هذه المشاريع تقدما هو مشروع نيكسوس كور سيستمز (Nexus Core Systems) . ففي أبريل 2026، وقعت الشركة بروتوكول اتفاق مع وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ووزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE)، لإطلاق المراحل الأولى من منصة نيكسوس لمصانع الذكاء الاصطناعي. ويجمع المشروع بين مركز بيانات للحوسبة عالية الأداء، ومركز للتميز ونقل الكفاءات، وقطب للابتكار.

وتبلغ الاستثمارات المعلنة للمراحل الأولى 12 مليار درهم. ويُنتظر أن تخصص في المرحلة الأولى خمسة مليارات درهم لتشغيل قدرة تصل إلى 16 ميغاواط في النواصر، ثم سبعة مليارات درهم لإضافة 20 ميغاواط في موقع ثان شمال المملكة، لترتفع القدرة الإجمالية المبرمجة إلى 36 ميغاواط في أفق نهاية 2027 .

لكن الطموح أبعد من ذلك بكثير. ففي يونيو 2025، أعلنت نافر (NAVER)  الكورية الجنوبية مشاركتها، إلى جانب إنفيديا (NVIDIA)  ونيكسوس كور سيستمز ولويدز كابيتال (Lloyds Capital)، في بناء مركز ضخم للذكاء الاصطناعي بالمغرب يمكن توسيعه تدريجيا إلى قدرة تصل إلى 500 ميغاواط تعمل بالطاقة المتجددة. وتتولى نافر كلاود (NAVER Cloud)  دورا في تشغيل المنصة السحابية، فيما يرتبط المشروع باتفاق للطاقة المتجددة مع طاقة المغرب.

وهنا يجب التمييز بين ما هو قائم في البرنامج التشغيلي القريب وما هو مستهدف على المدى الأبعد. فـ500 ميغاواط ليست قدرة دخلت الخدمة، بل هي هدف نهائي معلن؛ بينما تمثل 36 ميغاواط القدرة المحددة حاليا ضمن المرحلتين المغربيتين الأولى والثانية. وقد أكدت إنفيديا في شتنبر 2026 بدورها وجود مشروع نيكسوس بالمغرب ضمن الموجة الإفريقية الجديدة للبنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي.

وليست نيكسوس وحدها. فشركة كاسافا تكنولوجيز (Cassava Technologies) أعلنت هي الأخرى توسيع شبكة مصانع ذكاء اصطناعي تعمل بمنصة إنفيديا من جنوب إفريقيا نحو عدد من الأسواق الإفريقية، من بينها المغرب ومصر وكينيا ونيجيريا. وتعرض الشركة خدمات مثل وحدات المعالجة الرسومية كخدمة (GPU as a Service) والذكاء الاصطناعي كخدمة (AI as a Service)، بما يسمح للمقاولات والحكومات بالوصول إلى قدرة حوسبة محلية دون الحاجة إلى امتلاك البنية التحتية بنفسها. أما تفاصيل القدرة والموقع والجدول الزمني الخاص بالمغرب فلم تُعلن بعد بالوضوح نفسه الموجود في مشروع نيكسوس,

لكن، لماذا المغرب؟

لعل أحد الأجوبة يوجد في الجغرافيا. فالمغرب قريب من أوروبا، مرتبط بها وببقية العالم عبر عدة كابلات بحرية للألياف البصرية، ويمكنه الجمع بين الاتصال الدولي والطاقة المتجددة وكلفة تشغيل تنافسية. وتقول نافر صراحة إن المشروع لا يستهدف السوق المغربية وحدها، بل تقديم خدمات حوسبة وذكاء اصطناعي سيادية لأسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

وهذا يفسر أيضا أهمية مفهوم السيادة الرقمية. فالبنوك والإدارات والمقاولات الصناعية والصحية وغيرها تحتاج في بعض الحالات إلى الاحتفاظ ببياناتها داخل نطاق جغرافي وقانوني يمكن التحكم فيه. ولذلك لا يبيع مصنع الذكاء الاصطناعي مجرد «قوة حاسوبية»، بل يمكن أن يوفر سحابة سيادية، وتخزين البيانات ومعالجتها محليا، وتدريب النماذج وتشغيلها دون إرسال كل شيء إلى مراكز بعيدة.

أما بالنسبة إلى المقاولات المغربية، فإن السوق التي يمكن أن تتشكل حول هذه المشاريع أكبر بكثير من البرمجيات. فمصنع الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى البناء، والأشغال الكهربائية والمحولات، وربط الشبكات والألياف البصرية، وأنظمة التبريد والطاقة الاحتياطية، والمراقبة والأمن المادي والأمن السيبراني، والصيانة والتكامل السحابي. وبعد دخوله الخدمة تنشأ أسواق أخرى في تدريب النماذج، ومعالجة البيانات، وتطوير التطبيقات، وتشغيل حلول الذكاء الاصطناعي للمقاولات.

لهذا قد تكون أهمية هذه المصانع بالنسبة إلى الاقتصاد المغربي أكبر من عدد الوظائف المباشرة التي تخلقها داخل مركز البيانات نفسه. ويبقى الرهان الحقيقي هو ما إذا كان المغرب سيتمكن من بناء منظومة من الموردين والخدمات والكفاءات حول القدرة الحاسوبية الجديدة.

فالتحول الأهم ليس أن يستعمل المغرب الذكاء الاصطناعي أكثر، بل أن يبدأ في استضافة جزء من الآلات والبنية التحتية التي يُنتَج فوقها الذكاء الاصطناعي نفسه. وإذا تحولت القدرات المعلنة تدريجيا إلى منشآت عاملة وزبائن وخدمات قابلة للتصدير، فقد يصبح المغرب ليس فقط مستهلكا للحوسبة العالمية، بل مصدّرا للقدرة الحاسوبية نحو إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *