الازدحام في الدار البيضاء لا يعني فقط التأخر عن العمل، أو قضاء وقت أطول خلف المقود، أو البحث المرهق عن طريق أقل اختناقا. بل خلف هذه التفاصيل اليومية توجد كلفة اقتصادية ثقيلة. والبنك الدولي يقدّر الكلفة السنوية للازدحام في الدار البيضاء ، استنادا إلى مخطط التنقل الحضري، بحوالي 300 مليون دولار، أي ما يقارب 3 مليارات درهم، أو نحو 300 مليار سنتيم.

هذه الكلفة لا تؤدى في فاتورة واحدة، ولا تظهر في بند واضح من ميزانية المدينة. بل إنها موزعة على الاقتصاد كله: ساعات عمل تضيع في التنقل، وقود إضافي يُستهلك في التوقف والزحف البطيء، شاحنات تتأخر عن مواعيدها، مركبات تتعرض لاهتلاك أكبر، بضائع تصل متأخرة، ومقاولات تتحمل تكاليف تشغيل أعلى.
في مدينة تمثل القلب الاقتصادي للمغرب، يصبح أثر الازدحام أكبر من مجرد إزعاج حضري. فجهة الدار البيضاء-سطات تساهم بنحو ثلث الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، وتستقطب نسبة كبيرة من الوظائف المأجورة والأنشطة الصناعية والتجارية والخدماتية. ولذلك فإن أي تباطؤ في حركة الأشخاص والبضائع يتحول بسرعة إلى خسارة في الإنتاجية.
وتتضاعف المشكلة لأن الدار البيضاء ليست فقط مدينة كثيفة السكان، بل هي عقدة لوجستيكية وطنية أيضا. فميناء الدار البيضاء يمثل إحدى أهم بوابات التجارة الخارجية، فيما يعتمد نقل جزء كبير من البضائع على الشاحنات. وتشير معطيات محلية إلى أن النقل التجاري للبضائع يمثل حصة مهمة من حركة السير داخل المدينة، وهو ما يجعل الشاحنات والحافلات والسيارات الخاصة تتقاسم شبكة طرقية واحدة تحت ضغط مرتفع.
لهذا السبب يمكن أن يكون التأخر المروري أكثر كلفة بالنسبة إلى شاحنة منه بالنسبة إلى سيارة خاصة. ذلك أن شاحنة تنتظر ساعتين إضافيتين لا تستهلك الوقود فقط، بل تؤخر دورة التوزيع، وتفقد فرصة القيام برحلة أخرى، وقد تسبب تأخرا في سلسلة توريد كاملة. وعندما يتكرر هذا السيناريو آلاف المرات يوميا، تتحول الدقائق الضائعة إلى ملايين الدراهم.
المشكلة تمتد أيضا إلى الأسر. فالتنقل يمثل جزءً مهما من نفقات سكان الدار البيضاء، وقد أشارت تقديرات للبنك الدولي إلى أن كلفته قد تستحوذ على ما بين 10% و20% من دخل بعض الأسر. وعندما يزداد الازدحام، ترتفع الكلفة غير المباشرة أيضا: مزيد من الوقود، مزيد من الوقت، ومجال أقل للحياة الأسرية والراحة.
بيئياً، يزيد الازدحام من استهلاك الوقود والانبعاثات وتلوث الهواء والضوضاء. والسيارات التي تتحرك ببطء أو تتوقف باستمرار لا تعمل بالكفاءة نفسها التي تعمل بها على طريق سالك، ولذلك فإن الاختناق المروري يضيف كلفة بيئية فوق الكلفة الاقتصادية.
حاولت الدار البيضاء خلال السنوات الأخيرة تغيير هذا الواقع عبر توسيع شبكة الترامواي، وإطلاق الحافلات ذات المسار المخصص (الباصواي)، وتحسين بعض المحاور الطرقية، والاستعداد لتطوير شبكة قطارات حضرية تربط المركز بزناتة والمحمدية والنواصر وبوسكورة. كما أن مشاريع إعادة تنظيم حركة الشاحنات والمنصات اللوجستيكية في الأطراف تستهدف بدورها تخفيف الضغط عن المركز والميناء.
غير أن التحدي يبقى في الانتقال من مشاريع متفرقة إلى منظومة نقل متكاملة تقلل عدد الرحلات غير الضرورية، وتربط الضواحي بمراكز الشغل، وتمنح نقل البضائع مسارات أكثر كفاءة.
لهذا، فإن 300 مليار سنتيم ليست مجرد رقم لافت. بل إنها تقدير لما يخسره اقتصاد الدار البيضاء كل سنة عندما تصبح الحركة نفسها أبطأ من حاجات المدينة. وكل دقيقة يتم توفيرها في التنقل يمكن أن تتحول، في المقابل، إلى وقت منتج أقل كلفة وأكثر كفاءة.
