مقاطعة مولاي رشيد: هل هذه بوابة مؤسسة مغربية في زمن «المغرب الرقمي 2030»؟

ربما كان من الممكن تقييم مشروع «المغرب الرقمي 2030» انطلاقا من الاستراتيجيات الوطنية والمؤشرات الكبرى وحجم الاستثمارات والمنصات التي تطلقها الدولة. لكن، هناك طريقة أخرى، أكثر بساطة، وربما كانت أيضا أكثر قربا من حياة المواطنين: أن نختبر مدى وصول التحول الرقمي إلى المؤسسة العمومية التي يتعامل معها المواطن في محيطه اليومي.

ومن هذه الزاوية، تقدم بوابة مقاطعة مولاي رشيد بالدار البيضاء حالة عملية جديرة بالتأمل. فقد أطلقت الاستراتيجية الوطنية «المغرب الرقمي 2030» رسميا في 25 شتنبر 2024، وحددت ضمن رهاناتها الرئيسية الارتقاء بالإدارة الرقمية، وتسريع رقمنة الخدمات العمومية مع اعتماد مقاربة تتمحور حول المرتفق، بما يجعل الإدارة أكثر فعالية والخدمات العمومية الرقمية أكثر جودة وأسهل ولوجا. كما تؤكد وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الاستراتيجية تروم تمكين المواطنات والمواطنين من الاستفادة من الخدمات الرقمية ومواكبة الإدارات العمومية في ورش التحول الرقمي.

ولا يتعلق الأمر هنا بتوجه تم الإعلان عنه مرة واحدة ثم توقف. ففي سنة 2026 واصلت الوزارة إطلاق مشاريع مرتبطة بهذا الورش، من بينها تطوير تطبيق «إدارتي» لتوفير ولوج موحد وأكثر تكاملا إلى الخدمات الرقمية، كما فتحت باب الاستفادة من صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، في سياق تحسين النجاعة والشفافية والولوج إلى الخدمات الإدارية وتنزيل «المغرب الرقمي 2030».

إذا نقلنا هذا الطموح الوطني إلى المستوى المحلي، فإن بوابة مقاطعة مثل مولاي رشيد يفترض أن تكون إحدى الواجهات العملية لهذا التحول. ذلك أن هذه المقاطعة ليست مجالا صغيرا هامشيا. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يعيش داخل مقاطعة مولاي رشيد نفسها 245.139 نسمة موزعين على 63.294 أسرة. أي أننا نتحدث عن مجال حضري يعادل، من حيث السكان، مدينة متوسطة الحجم بأكملها.

لهؤلاء السكان بوابة رسمية تحمل اسم مقاطعتهم، وتبدو بنيتها، عند النظر إلى قائمة محتوياتها، شاملة نسبيا. فهناك مجلس المقاطعة، والرئيس، والمكتب، والمنتخبون، واللجان، والهيكل التنظيمي، والمشاريع والأوراش، والميزانية، وخدمات القرب، والمرافق الجماعية، والمركب الثقافي، والمساحات الخضراء، والإصدارات، والإحصائيات، وغيرها. بل إن البوابة تقول صراحة إن الدخول إلى فضاء المقاطعة يسمح بالاطلاع على أخبارها وعلى تقدم مشاريعها.

غير أن المشكلة تبدأ مباشرة عندما ننتقل من أسماء الأقسام إلى محتوياتها. ففي شتنبر 2026، تعرض الواجهة الرئيسية للبوابة ضمن أبرز موادها أخبارا مؤرخة في 19 و18 و5 ماي 2021، ثم مواد تعود إلى يونيو وماي 2020. ومن بينها مواد مرتبطة بتبسيط المساطر الإدارية، ومشروع بناء المركب السوسيوثقافي والرياضي، واجتماعات ولجان وأنشطة مرتبطة بفترة جائحة كورونا.

وهكذا، فإن الولاية الانتدابية 2021-2026، التي يفترض أن تكون قد أنتجت خلال خمس سنوات قرارات ومشاريع وأنشطة وميزانيات واتفاقيات، لا تظهر على الواجهة الرقمية للمقاطعة باعتبارها مسارا يمكن للمواطن تتبعه وفهمه، خصوصا ونحن ـ من الناحية العملية ـ ندخل السنة الانتخابية بالنسبة للاستحقاقات المحلية.

لكن المشكلة أعمق من مجرد تقادم الأخبار. فمن يريد معرفة المشاريع والأوراش التي تعرفها المقاطعة يجد صفحة تحمل بالفعل عنوان «مشاريع وأوراش»، لكن محتواها يتكون عمليا من عبارة واحدة: «في طور التحديث…». والمفارقة أن الصفحة نفسها تعيد في أسفلها التأكيد على أن البوابة مخصصة للاطلاع على أخبار المقاطعة و«تقدم مشاريعها».

والأمر نفسه ينطبق على الميزانية حيث توجد في القائمة خانة واضحة تحمل اسم «الميزانية»، لكن المواطن لا يجد فيها عرضا للميزانية الحالية أو السابقة، ولا تطور الموارد والنفقات، ولا الوثائق المالية، ولا رسوما مبسطة تشرح كيف تتوزع الاعتمادات. بمعنى آخر فإن الصفحة موجودة في بنيتها التقنية، أما المضمون الذي يمنحها معناها فما يزال غائبا.

وهذا فرق أساسي في تقييم أي بوابة رقمية. فوجود زر يحمل اسم «الميزانية» ليس هو إتاحة الميزانية، ووجود خانة تحمل اسم «المشاريع» ليس هو إخبار المواطن بالمشاريع.

إن التحول الرقمي لا يقاس بعدد الخانات التي تظهر على الشاشة، وإنما بكمية ونوعية المعلومات والخدمات التي يستطيع المواطن الحصول عليها من خلالها.

وتتكرر المشكلة في عدد من مكونات البوابة. فهناك أقسام يفترض أنها تقدم معلومات أساسية عن المؤسسة وتنظيمها ومرافقها ومحتواها، لكنها إما غير محينة أو محدودة المحتوى. بل وتظهر على البوابة حتى بعض علامات ضعف المراجعة التحريرية. فالصفحة الرئيسية تعرض رئيس المقاطعة محمد أجبيل، ثم تقدم أسفل اسمه رابطا بعنوان «كلمة الرئيسة» بصيغة المؤنث!

مثل هذا الخطأ بسيط من الناحية التقنية دون شك، لكنه ذو دلالة من الناحية المؤسساتية. فالموقع الرسمي يفترض أن يكون مرجعا للمعلومة الدقيقة، لا مجرد قالب تم ملؤه مرة ثم ترك دون متابعة منتظمة.

ويتضح الخلل أكثر عندما نبحث عن الأرقام. فمقاطعة يعيش فيها أكثر من 245 ألف نسمة يمكن أن تنتج بوابتها صورة إحصائية غنية جدا عن المجال الترابي: عدد السكان والأسر، التركيبة العمرية، المرافق الرياضية والثقافية، المساحات الخضراء، التجهيزات، الخدمات، المشاريع، الميزانيات، عدد المستفيدين من البرامج، وتطور بعض المؤشرات الأساسية عبر الزمن.

كل هذه المعطيات يمكن عرضها اليوم في لوحات مؤشرات بسيطة ورسوم بيانية وخرائط تفاعلية تجعل المواطن يفهم مقاطعته خلال دقائق.

لكن البوابة الحالية لا تقدم هذه الصورة الرقمية المتكاملة لمقاطعة مولاي رشيد. والنتيجة أن المواطن أو الباحث الذي يريد معرفة المقاطعة بالأرقام يضطر إلى مغادرة بوابتها الرسمية والبحث لدى المندوبية السامية للتخطيط أو جماعة الدار البيضاء أو مؤسسات أخرى.

ومن الإنصاف، في المقابل، الإشارة إلى أن البوابة ليست خالية تماما من عناصر الرقمنة. فهي توفر روابط إلى عدد من الخدمات والمنصات الخارجية، من بينها رخص التعمير والرخص الاقتصادية والتجارية وطلب الوثائق الإدارية ومكتب الضبط الرقمي والحالة المدنية ومنصة «إدارتي» ومنصة الشكايات.

وهذا جانب إيجابي، لكنه يكشف في الوقت نفسه طبيعة المشكلة. فالمواطن يستطيع من بوابة مقاطعة مولاي رشيد الانتقال إلى خدمات رقمية وطنية، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها الحصول على معلومات محدثة عن مقاطعة مولاي رشيد ذاتها.

وهنا تظهر واحدة من الفجوات التي ينبغي أن يأخذها مشروع «المغرب الرقمي 2030» بعين الاعتبار. فالتحول الرقمي الوطني لا يكتمل بمجرد رقمنة المساطر المشتركة أو إنشاء المنصات المركزية. بل إن جزء منه يتعلق أيضا بقدرة كل مؤسسة عمومية على إنتاج المعلومة الرقمية الخاصة بها، وتحيينها، وتنظيمها، وجعلها سهلة الوصول والاستعمال.

ولعل المشكلة التي تكشفها بوابة مولاي رشيد ليست، في جوهرها، نقصا في التكنولوجيا. فالبوابة موجودة، والخادم موجود، والقالب موجود، والقوائم موجودة، ومحرك البحث موجود، وحتى الربط بالخدمات الخارجية موجود. لكن ما ينقص هو المحتوى.

وهذا ربما أهم استنتاج يمكن استخلاصه من هذه الحالة: يمكن رقمنة الواجهة من دون أن تتم رقمنة المؤسسة تواصليا. فالمؤسسة الرقمية الحقيقية ينبغي أن تكون قادرة على أن تقول للساكنة باستمرار: هذه مشاريعنا، وهذه كلفتها، وهذه نسبة تقدمها، وهذه ميزانيتنا، وهذه مرافقنا، وهذه خدماتنا، وهذه القرارات التي اتخذناها، وهذه الوثائق التي يمكنكم الاطلاع عليها، وهذه أرقام المجال الذي ندبره.

ومن الناحية التقنية، لم تعد إقامة مثل هذه البوابة مشروعا معقدا. فمن الممكن اليوم بناء واجهة واضحة تضم خريطة للمشاريع ومراحل تقدمها، ولوحة للمؤشرات الأساسية، وأرشيف للميزانيات والوثائق، ودليل للمرافق والخدمات، وصفحات محدثة للمنتخبين واللجان، وتقويم للأنشطة، ومحرك بحث فعال، وتصميم جيد للهواتف المحمولة. وما يحتاج إلى مجهود مستمر ليس التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما جمع المعلومات وتنظيمها وتحيينها وإدارة المحتوى. وهذا يعني أن الفجوة التي نراها في بوابة مقاطعة مولاي رشيد هي، إلى حد كبير، فجوة في ثقافة التواصل الرقمي وإدارة المعلومة.

من هنا يمكن استعمال بوابة المقاطعة باعتبارها اختبارا صغيرا لمشروع «المغرب الرقمي 2030». وهي بالتأكيد لا تسمح بالحكم على استراتيجية وطنية كاملة، لكنها تكشف أحد شروط نجاحها. فالتحول الرقمي إذا ظل قويا في الوزارات والمنصات الوطنية، ولم يصل بالقدر نفسه إلى الإدارة الترابية الأقرب إلى حياة المواطن، سيظل انتقالا رقميا غير مكتمل.

وفي حالة مقاطعة مولاي رشيد فإن النتيجة واضحة: لدينا بوابة إلكترونية بالمعنى التقني، لكننا لا نملك بعد بوابة رقمية بالمعنى الوظيفي الذي يفترضه مشروع المغرب الرقمي. ونحن أمام مؤسسة تدبر مجالا يسكنه ربع مليون شخص تقريبا، وينبغي أن يكون لها حضور رقمي يسمح بفهم حصيلتها ومشاريعها وخدماتها بالأرقام، لا مجرد موقع يحمل اسمها ويترك أجزاء أساسية منه «في طور التحديث» لسنوات.

لهذا فإن حالة مقاطعة مولاي رشيد لا تطرح فقط مسألة تحديث موقع إلكتروني. بل إنها تذكر بأن «المغرب الرقمي 2030» لن ينجح كاملا عندما تصبح الدولة رقمية في المركز فقط، وإنما عندما يستطيع مواطن في منطقة مهمشة مثل منطقة مولاي رشيد، أو في أي مقاطعة مغربية أخرى، أن يفتح هاتفه ويجد مؤسسته المحلية حاضرة أمامه بالمعلومة والخدمة والأرقام والوضوح.

وبهذا المعيار، فإن بوابة مقاطعة مولاي رشيد في وضعها الحالي لا تزال بعيدة عن صورة مؤسسة مغربية دخلت فعلا القرن الحادي والعشرين.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *