ارتبط اسم “سيدي عثمان”، لعقود طويلة، بصورة الحي الشعبي الكبير في الجنوب الشرقي للدار البيضاء: مجال حضري واسع، كثيف السكان، تشكلت داخله أحياء سكنية احتضنت أجيالا من الطبقات العاملة والمتوسطة، بينما ظلت الأنشطة الاقتصادية الحديثة والمكاتب والخدمات ذات القيمة المضافة متركزة في مناطق أخرى من المدينة.
اليوم، يفتح مشروع “Casablanca Tech Valley ” احتمالا مختلفا تماما هو أن تصبح سيدي عثمان نفسها جزءً من الخريطة الجديدة للاقتصاد التكنولوجي في الدار البيضاء.

المشروع أطلقته جماعة الدار البيضاء بشراكة مع مجموعة صندوق الإيداع والتدبير، ويقدم باعتباره قطبا تكنولوجيا جديدا وامتدادا لمنطقة Casanearshore، مع هدف يتمثل في استقطاب أنشطة التكنولوجيا والخدمات والابتكار وخلق فرص جديدة للاستثمار والشغل.
أهمية المشروع لا تأتي فقط من حجمه أو طبيعته، بل من موقعه. فسيدي عثمان ليست منطقة أعمال تقليدية، واختيارها لاحتضان قطب تكنولوجي بهذا المستوى يعني، من حيث المبدأ، محاولة نقل جزء من الاقتصاد الحديث للمدينة إلى مجال شعبي كبير ظل خارج الدوائر الأساسية للاستثمار المتقدم.
ويتجاوز عدد سكان المقاطعة 200 ألف نسمة، مما يجعلها في حجم مدينة متوسطة. هذه الكتلة السكانية الكبيرة تجعل لأي استثمار اقتصادي جديد آثارا محتملة تتجاوز حدود المشروع نفسه. فالقطب التكنولوجي يمكن أن يولد طلبا إضافيا على النقل، والمطاعم، والخدمات، والسكن، والصيانة، والتجارة، والتكوين، كما يمكن أن يرفع جاذبية المنطقة للاستثمار الخاص ويغير تدريجيا صورتها الاقتصادية.
بهذا المعنى، فإن Casablanca Tech Valley لا يمثل فقط إضافة عقارية جديدة إلى الدار البيضاء، بل يمكن أن يشكل تحولا في الوظيفة التي تؤديها سيدي عثمان داخل المدينة. ذلك أن الدار البيضاء تطورت تاريخيا وفق نوع من التخصص المجالي غير المتكافئ. وبعض المناطق استقطبت المكاتب والخدمات المالية والتكنولوجية والاستثمارات ذات القيمة المضافة، بينما ظلت أحياء شعبية واسعة تؤدي أساسا وظيفة السكن وتوفير خزان اليد العاملة. ولعل إدخال قطب تكنولوجي إلى سيدي عثمان يمكن أن يكون بداية لكسر جزء من هذا التوزيع التقليدي.
لكن هذا التحول ليس مضمونا بمجرد إنشاء المشروع. فوجود آلاف الوظائف داخل تراب المقاطعة لا يعني تلقائيا أن سكانها سيكونون المستفيدين الرئيسيين منها. ويرجع ذلك إلى كون الأنشطة التكنولوجية وخدمات التعهيد والهندسة الرقمية وغيرها تحتاج إلى مهارات محددة في اللغات والمعلوميات والتدبير والتخصصات التقنية. وإذا لم تتم مواكبة شباب سيدي عثمان بالتكوين والتأهيل المناسبين، فقد يصبح المشروع موجودا جغرافيا داخل المقاطعة من دون أن يغير فعليا موقع سكانها داخل سوق الشغل.
وهنا يوجد الفارق بين مشروع يوجد في سيدي عثمان ومشروع يغير سيدي عثمان. ومن الواضح أن التحول الحقيقي يحتاج إلى ربط القطب التكنولوجي بمحيطه الاجتماعي والاقتصادي. وهذا يعني تطوير التكوين المهني والرقمي، وربط مؤسسات التعليم والتكوين بحاجات الشركات، وتأهيل الشباب للوظائف الجديدة، وتشجيع المقاولات الصغيرة المحلية على الاندماج في الخدمات التي سيولدها المشروع.
عندها فقط يمكن أن يتحول Casablanca Tech Valley من جزيرة اقتصادية حديثة إلى رافعة للتنمية المحلية.
ويمكن قياس هذا النجاح لاحقا بمؤشرات واضحة مثل عدد الشركات التي ستستقر فعليا في القطب، وعدد الوظائف التي سيتم إحداثًها، ونسبة المستفيدين منها من سكان المقاطعة والمناطق المجاورة، وحجم النشاط الاقتصادي الجديد الذي سينشأ حول المشروع، وعدد المقاولات المحلية التي ستستفيد من الطلب الجديد.
كما أن نجاح المشروع سيكون مهما للدار البيضاء كلها، لا لمقاطعة سيدي عثمان وحدها. فالمدينة تحتاج، مع استمرار توسعها، إلى توزيع أفضل للأنشطة الاقتصادية الحديثة. ولا يمكن أن تظل الوظائف المتقدمة والاستثمارات الجديدة متمركزة باستمرار في نفس المناطق. فمن الأكيد أن خلق أقطاب جديدة داخل مناطق شعبية كبيرة يمكن أن يساعد على إعادة توزيع فرص الشغل والاستثمار، وتقريب النشاط الاقتصادي من التجمعات السكانية.
ومن هذه الزاوية، قد تصبح تجربة سيدي عثمان نموذجا لما يمكن أن تفعله مشاريع مماثلة في مناطق أخرى من الدار البيضاء. فالأحياء الشعبية ليست مجرد مجالات سكنية أو خزانات لليد العاملة. بل يمكن أن تتحول أيضا إلى فضاءات لاستقبال الاستثمار الحديث والاقتصاد الرقمي، إذا تم ربط المشاريع الجديدة بالسكان المحليين وبالبنية الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها.
وإذا نجح المشروع في جذب الشركات والوظائف فقط، فسيكون قطبا تكنولوجيا جديدا داخل الدار البيضاء. أما إذا نجح أيضا في تأهيل الشباب، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وجذب استثمارات جديدة، وربط سكان المقاطعة بالوظائف التي سيخلقها، فستكون النتيجة أكبر من مشروع تكنولوجي.
حينها يمكن أن نتحدث فعلا عن تحول في موقع سيدي عثمان داخل المدينة: من حي شعبي ارتبط تاريخيا بالسكن واليد العاملة إلى أحد أقطاب الاقتصاد الجديد للدار البيضاء.
