كلفة المائدة المغربية: الدجاج والبطاطس يصعدان والزيتون يتراجع

يبدو طبق الدجاج بالزيتون والبطاطس بسيطا ومألوفا حتى أنه لا يحتاج إلى تفسير. لكنه، من زاوية الاقتصاد اليومي، يلخص في طبق واحد كيف تتحرك أسعار الغذاء في المغرب في اتجاهات مختلفة، وكيف يمكن للمستهلك أن يشعر بالغلاء حتى عندما تقول المؤشرات العامة إن أسعار المواد الغذائية تتراجع.

خلال الأسابيع الأخيرة، ارتفع سعر الدجاج بشكل واضح بعد فترة كان فيها المنتجون يشتكون من انخفاض الأسعار إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج. ففي يوليوز الماضي تدنى سعر الدجاج عند باب الضيعة إلى حوالي 9 دراهم للكيلوغرام في بعض الفترات، وهو ما دفع عددا من المربين إلى تقليص الإنتاج أو الانسحاب مؤقتا من السوق. ومع انخفاض العرض بدأت الأسعار ترتفع من جديد، حتى وصلت في بداية شتنبر إلى مستويات تقارب 18 درهما عند الضيعة وحوالي 20 درهما في سوق الجملة بالدار البيضاء، بينما أصبح المستهلك يواجه في بعض المناطق أسعارا قد تقترب من 22 درهما للكيلوغرام.

بهذا المعنى، لا يبدو ارتفاع الدجاج الحالي ناتجا فقط عن زيادة مباشرة في كلفة الأعلاف أو الطاقة، بل عن طبيعة دورة الإنتاج نفسها. فعندما تنخفض الأسعار كثيرا يخسر المربون، وعندما يخفضون الإنتاج يتراجع العرض، ثم يعود السعر إلى الارتفاع. والمستهلك يجد نفسه في النهاية أمام سوق ينتقل بسرعة من وفرة تضغط على المنتج إلى ندرة تضغط عليه هو.

أما المكوّن الثاني في الطبق، أي البطاطس، فهو يتحرك بدوره نحو الأعلى، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر هدوءً. ففي بداية الصيف كانت أسعار الجملة في الدار البيضاء تدور عموما بين 3 و4.5 دراهم للكيلوغرام، قبل أن ترتفع في أواخر غشت وبداية شتنبر. ووصلت البطاطس ذات الجودة العالية في بعض أسواق الجملة إلى ما يفوق 6 دراهم، بينما تحدثت تقارير عن أسعار بالتقسيط قاربت 9 دراهم للكيلوغرام في بعض الأسواق.

هذه الزيادة تبدو محدودة إذا قورنت بالدجاج، لكنها مهمة بالنسبة للأسرة لأن البطاطس ليست مادة ثانوية في الاستهلاك اليومي. فهي تدخل ضمن عدد كبير من الوجبات، ويُستهلك منها حجم أكبر وبوتيرة أكثر انتظاما. ولذلك فإن زيادة درهمين أو ثلاثة في الكيلو قد تبدو صغيرة في السوق، لكنها تتراكم بسرعة داخل ميزانية الأسرة.

أما الزيتون، والمكون المرتبط به (زيت الزيتون) فيسيران حاليا في الاتجاه المعاكس. وبعد مواسم صعبة ارتفعت فيها الأسعار بسبب الجفاف وتراجع الإنتاج، تشير المؤشرات الخاصة بموسم 2026 إلى تحسن واضح في المحصول بعدد من المناطق، خصوصا في الشمال، بفضل تحسن التساقطات ودخول مغارس جديدة مرحلة الإنتاج.

وتتحدث تقديرات مهنية عن زيادات مهمة محتملة في المحصول مقارنة بالمواسم السابقة، وهو ما بدأ ينعكس على توقعات الأسعار. ففي الوقت الذي كانت فيه أسعار زيت الزيتون قد بلغت مستويات مرتفعة جدا خلال سنوات الجفاف، أصبحت تقديرات بعض المهنيين تشير إلى إمكانية استقرار اللتر في مستويات أقل كثيرا إذا تأكدت وفرة المحصول.

لكنْ، ينبغي مع ذلك التمييز بين الزيتون المخصص للمائدة وزيت الزيتون. فالسوقان مرتبطان، لكنهما ليسا متطابقين، والأسعار تختلف حسب النوع والجودة والمنطقة وطريقة التسويق. وما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن تحسن محصول الزيتون يخلق ضغطا نزوليا عاما على الأسعار، وخصوصا على زيت الزيتون، بعد فترة طويلة من الارتفاع.

غير أن المفارقة هي أن هذه التحركات المتعاكسة تحدث في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية إلى تراجع عام في أسعار المواد الغذائية. فقد سجل مؤشر أسعار الاستهلاك انخفاضا في يوليوز، كما تراجعت أسعار عدد من المواد الغذائية مقارنة بالشهر السابق وبالفترة نفسها من السنة الماضية.

لكن المستهلك لا يشتري «المؤشر العام». بل هو يشتري دجاجا وبطاطس وزيتا وخبزا وخضرا وفواكه. ولذلك يمكن أن تتحسن الأرقام الإجمالية بينما تستمر بعض المواد الأساسية التي يشعر بها يوميا في الارتفاع. وهذا ما يجعل طبق الدجاج بالزيتون والبطاطس أكثر من مجرد وصفة مغربية مألوفة. فهو يجمع ثلاث سلاسل إنتاج مختلفة تماما، حيث أن الدجاج يخضع لدورة قصيرة وسريعة التأثر بقرارات المربين والعرض، بينما البطاطس تتأثر بالموسم والإنتاج والتخزين والتوزيع. والزيتون يرتبط بدورة زراعية أطول، وبالتساقطات والمغارس وطاقة المعاصر وحجم المحصول.

والنتيجة هي أن كلفة المائدة لا تتحرك كوحدة متجانسة. فقد ترتفع قطعة الدجاج، وتزداد كلفة البطاطس، بينما ينخفض سعر الزيتون أو الزيت. وقد يشعر المستهلك مع ذلك بأن الطبق أصبح أغلى، لأن وزن المكونات في الميزانية ليس متساويا. وهنا تكمن المسألة الحقيقية بالنسبة للأسرة. فليس الأهم هو اتجاه كل سعر منفرد، بل الحصيلة النهائية لسلة غذائية كاملة. وإذا كان انخفاض سعر الزيتون قد يخفف جزءً من العبء، فإن ارتفاع سعر الدجاج والبطاطس يذكر بأن القدرة الشرائية تتشكل من مجموع التفاصيل الصغيرة التي تمر كل يوم عبر السوق والمطبخ.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *