المغرب بين تصدير الكهرباء واستيراد الغاز لإنتاجها

يتقدم المغرب بخطوات متسارعة نحو موقع جديد في الخريطة الطاقية الإقليمية. فبعد سنوات من الاستثمار في الشمس والرياح، لم يعد النقاش مقتصرا على تقليص فاتورة الطاقة المستوردة، بل أصبح يشمل الربط الكهربائي مع أوروبا، وتصدير الكهرباء المتجددة، وتوسيع الشبكة جنوبا نحو موريتانيا. وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب استيراد الغاز الطبيعي لتشغيل جزء من محطاته الكهربائية.

تبدو الصورة للوهلة الأولى متناقضة: بلد يستعد لتصدير الكهرباء، لكنه ما يزال يستورد وقودا لإنتاجها. غير أن هذا التناقض الظاهري يعكس في الواقع طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنظومة الكهربائية المغربية. فالكهرباء ليست مادة يمكن تخزينها بسهولة مثل النفط أو الفحم، والشمس لا تشرق طوال اليوم، كما أن الرياح لا تهب دائما بالوتيرة نفسها. ولذلك تحتاج أي شبكة تعتمد أكثر فأكثر على الطاقات المتجددة إلى مصادر مرنة تستطيع التدخل عندما ينخفض إنتاج الشمس أو الرياح أو يرتفع الطلب بشكل مفاجئ.

ئوهنا يؤدي الغاز الطبيعي دورا مهما. ففي يوليوز 2026 بلغت واردات المغرب عبر أنبوب المغرب–أوروبا نحو 81 مليون متر مكعب، بزيادة 17.4% مقارنة بيونيو، مدفوعة أساسا بارتفاع الطلب الصيفي على الكهرباء. ثم تراجعت الواردات في غشت إلى نحو 64 مليون متر مكعب، بانخفاض 21%، بعدما ساعد تحسن الإنتاج الكهرومائي على تقليص الحاجة إلى الغاز. ومنذ بداية السنة وحتى نهاية غشت، قاربت الكميات المستوردة عبر الأنبوب 466 مليون متر مكعب، وهي موجهة أساسا إلى محطات إنتاج الكهرباء.

هذا التذبذب يكشف وظيفة الغاز داخل النظام أكثر مما يكشف اعتمادا مطلقا عليه. فعندما يرتفع إنتاج السدود، يمكن تقليص استهلاك الغاز، وعندما يرتفع الطلب أو ينخفض إنتاج المصادر الأخرى يعود الغاز لسد جزء من الفجوة. وهو ما يجعل منه، في المرحلة الحالية، أداة لتحقيق التوازن داخل شبكة تضم الفحم والطاقة الكهرومائية والشمس والرياح إلى جانب الغاز.

في المقابل، يتحرك المغرب في اتجاه آخر تماما، ألا وهو بناء القدرة على تصدير الكهرباء، خصوصا الكهرباء المتجددة. وقد أعلنت وزارة الانتقال الطاقي، بالفعل، دراسة فرصة وجدوى إنشاء رابط كهربائي مخصص لتصدير الكهرباء المتجددة من المغرب إلى فرنسا، وهو ما يضع التصدير ضمن مشاريع قيد الدراسة الفعلية، لا ضمن مجرد تصور بعيد المدى.

ويأتي ذلك ضمن شبكة أوسع من الروابط. فالمغرب مرتبط بإسبانيا كهربائيا منذ سنوات، وتوجد دراسات ومشاريع لتطوير الربط مع شبه الجزيرة الإيبيرية، بما فيها بحث إمكانية إنشاء رابط مع البرتغال، إلى جانب توجه نحو مد الشبكة جنوبا في اتجاه موريتانيا. وهذه الروابط لا تخدم التصدير فقط، بل تسمح أيضا بتبادل الكهرباء بين الشبكات بحسب ظروف العرض والطلب.

وهنا ينبغي التمييز بين تصدير الكهرباء وتحقيق الاكتفاء الطاقي الكامل. فقد يستطيع بلد ما أن يصدر الكهرباء في ساعات يكون فيها إنتاجه مرتفعا، ثم يحتاج في ساعات أخرى إلى تشغيل محطات غازية أو استيراد الكهرباء من الخارج. وفي الأنظمة الكهربائية الحديثة لا توجد حركة واحدة ثابتة من المنتج إلى المستهلك؛ بل شبكة تتغير تدفقاتها باستمرار بحسب الطلب، والطقس، وأسعار الطاقة، وحالة منشآت الإنتاج.

والأمر يصبح أكثر أهمية مع التوسع السريع المرتقب في الطاقات المتجددة. فإضافة آلاف الميغاواطات من الشمس والرياح لا تحل وحدها مشكلة تأمين الكهرباء على مدار الساعة. بل المطلوب أيضا توسيع خطوط النقل، وربط مناطق الإنتاج البعيدة بمراكز الاستهلاك، وزيادة قدرات التخزين، وتعزيز قدرة الشبكة على استيعاب إنتاج متغير.

ولهذا بدأت البنية التحتية للشبكة نفسها تتحول إلى قلب السياسة الطاقية. فكلما زاد الإنتاج المتجدد، ازدادت أهمية القدرة على نقل الكهرباء من الجنوب، حيث الإمكانات الشمسية والريحية الكبيرة، نحو المحاور الصناعية والحضرية في وسط البلاد وشمالها. كما يصبح الربط الخارجي وسيلة لبيع الفائض في بعض الأوقات والحصول على دعم إضافي للشبكة في أوقات أخرى.

ولا ينبغي أيضا إغفال البعد الاقتصادي. ذلك أن تصدير الكهرباء الخضراء يمكن أن يفتح للمغرب سوقا جديدة مرتبطة بالطلب الأوروبي المتزايد على الطاقة منخفضة الكربون، كما يمكن أن يعزز جاذبية المملكة للصناعات التي تبحث عن كهرباء ذات بصمة كربونية أقل. لكن ذلك يعني في الوقت نفسه ضرورة ضمان ألا تتحول مشاريع التصدير إلى منافس للاستهلاك الداخلي أو إلى سبب إضافي للضغط على الشبكة.

أما الغاز، فسيظل على الأرجح جزءً من المعادلة خلال سنوات الانتقال. غير أن أهميته يمكن أن تتغير تدريجيا إذا توسعت قدرات التخزين، وتحسن الربط بين المناطق، وارتفع إنتاج الطاقة الكهرومائية والمتجددة القابلة للتسيير. ولعل التراجع الواضح في واردات الغاز خلال غشت بعد تحسن الإنتاج الكهرومائي يقدم مثالا عمليا على هذه المرونة. فكلما توفرت بدائل داخلية كافية، انخفضت الحاجة إلى الغاز المستورد.

يوجد المغرب إذن أمام منظومة طاقية مزدوجة الملامح. فجزء منها ما يزال مرتبطا بالوقود المستورد لضمان الاستقرار والمرونة، وجزء آخر يتجه نحو إنتاج كهرباء متجددة قابلة للتبادل والتصدير. والمساران معاً لا يلغي أحدهما الآخر في الوقت الحالي، بل يتعايشان داخل انتقال لم يكتمل بعد.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *