أين تذهب القيمة المضافة للاستثمار المغربي؟

يستثمر المغرب بكثافة  من خلال مشاريع كبرى في الصناعة والطاقة والنقل والماء والبنية التحتية. وبحكم ذلك فإن الاستثمار العمومي والخاص يظل في مستويات مرتفعة مقارنة بعدد كبير من الاقتصادات الناشئة. لكنْ، خلف هذا الزخم يبرز سؤال أقل حضورا في النقاش العام وأكثر أهمية للاقتصاد على المدى الطويل. وهو السؤال المتعلق بحجم القيمة الذي يبقى فعلا داخل المغرب.

فالمشكلة لا تتعلق بحجم الاستثمار وحده، بل بطبيعة الروابط التي ينسجها داخل الاقتصاد. ذلك أن المشروع الذي يحتاج إلى آلات وتجهيزات ومكونات وخدمات هندسية وبرمجيات مستوردة قد يرفع الاستثمار والإنتاج معا، لكنه لا يترك داخل الاقتصاد المحلي الأثر نفسه الذي يتركه مشروع يستند إلى شبكة واسعة من الموردين المغاربة والمهارات المحلية والخدمات التقنية الوطنية.

و تُظهر المعطيات المتاحة أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدما مهما في جذب الاستثمار وفي بناء قاعدة صناعية جديدة. فقطاعات مثل السيارات والطيران أصبحت جزءً من سلاسل القيمة العالمية، وارتفعت الصادرات الصناعية، وتشكلت حول بعض المصانع الكبرى شبكات من الموردين والمناولين. لكن هذا الاندماج لا يعني تلقائيا أن الجزء الأكبر من القيمة المضافة يُنتج محليا.

وبالعودة إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نجد أنها تشير إلى أن نحو ربع القيمة المضافة التي تتضمنها الصادرات المغربية يأتي من الخارج، في صورة مكونات ومدخلات وخدمات مستوردة. وهذه النسبة لا تعني أن المغرب لا يستفيد من التصدير، لكنها تكشف أن جزءً مهما من السلسلة الإنتاجية يوجد خارج الاقتصاد الوطني.

ولعل هذا ما يجعل ارتفاع واردات سلع التجهيز مسألة تستحق الانتباه. فكلما توسعت الاستثمارات، ازداد الطلب على الآلات والمعدات والتكنولوجيا. وهذه الواردات يمكن أن تكون ضرورية تماما في مرحلة بناء القدرة الإنتاجية، لأن أي اقتصاد صاعد يحتاج إلى استيراد ما لا يصنعه بعد. لكن السؤال يبدأ بعد ذلك: هل تتحول هذه التجهيزات مع الوقت إلى وسيلة لبناء معرفة محلية، أم يبقى الاقتصاد معتمدا على الخارج في كل ما هو أكثر تعقيدا وربحية؟

في قطاع السيارات مثلا، حقق المغرب تقدما واضحا في نسبة الإدماج المحلي. وبعض المجموعات الصناعية الكبرى تشتري اليوم أجزاء وخدمات من شبكة واسعة من الموردين الموجودين داخل المملكة، وبلغت نسب الإدماج في بعض الحالات مستويات مرتفعة. وتبين هذه التجربة أن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يجر خلفه صناعة محلية حقيقية عندما تتشكل حوله منظومة من الشركات الموردة والمهارات والتكوين.

لكنَّ الصورة تختلف من قطاع إلى آخر. ففي بعض الصناعات ذات المحتوى التقني المرتفع، ما تزال الشركات المغربية تحتل مواقع محدودة داخل سلاسل القيمة، بينما تظل الأنشطة الأكثر تقدما في التصميم والهندسة والبرمجيات والمكونات المعقدة بيد شركات أجنبية. ويمكن أن يكون المصنع موجودا في المغرب، لكن الجزء الأعلى قيمة من العملية الاقتصادية يبقى في الخارج.

فالقيمة المضافة لا تأتي فقط من القطعة التي يصنعها العامل أو من المنتج النهائي الذي يغادر المصنع. بل إنها توجد أيضا في البحث والتطوير، والهندسة، والتصميم، والبرمجيات، والصيانة، واللوجستيك المتقدم، والتمويل، والملكية الفكرية. وكلما بقيت هذه الأنشطة خارج البلد، بقي جزء كبير من العائد الاقتصادي الحقيقي خارج حدوده أيضا.

لهذا أضحى الإدماج المحلي جزءً صريحا من السياسة الاستثمارية المغربية. وميثاق الاستثمار يمنح حوافز إضافية للمشاريع التي تحقق مستويات معينة من الإدماج، بما يعكس تحولا في التفكير من مجرد جذب رؤوس الأموال إلى محاولة تعميق أثرها داخل الاقتصاد.

لكن الوصول إلى نسب أعلى من الإدماج لا يتم بالقرار الإداري وحده، وإنما يحتاج إلى شركات مغربية قادرة على تلبية معايير الجودة والآجال والتكنولوجيا التي تفرضها الصناعات الكبرى. كما يحتاج إلى تمويل للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتكوين تقني، ومختبرات، ومهندسين، وربط أفضل بين الجامعات والصناعة.

وهنا تحديدا يظهر البعد المتعلق بنقل المعرفة. فالمشروع الاستثماري يصبح أكثر قيمة عندما يترك وراءه مهارات يمكن استعمالها في مشاريع أخرى، وعندما يسمح للمورد المحلي بالتعلم والصعود تدريجيا إلى أنشطة أكثر تعقيدا. أما إذا بقيت التكنولوجيا في يد الشركة الأجنبية، وظلت الصيانة والخبرة والبرمجيات كلها مستوردة، فإن الاستثمار يظل أقل اندماجا في الاقتصاد الوطني.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن استيراد التكنولوجيا مشكلة في حد ذاته. ب، أكثر من ذلك، فإن العكس صحيح أحيانا. وفي كثير من الاقتصادات الصناعية حدث الانطلاق من استيراد المعدات والمعرفة، ثم تمَّ استعمالها بعد ذلك لبناء القدرات الذاتية.

ولربما المغرب يوجد اليوم في مرحلة حاسمة من هذا المسار. فالبلد لديه اليوم بنية تحتية أفضل، وصناعات تصديرية، وقاعدة من الموردين، وقدرة متزايدة على جذب استثمارات كبيرة. لكن المرحلة المقبلة أكثر صعوبة، لأنها تتطلب الانتقال من استضافة الإنتاج إلى امتلاك أجزاء أكبر من السلسلة التي تصنع القيمة.

وإذا نجح هذا الانتقال، فقد تنتج طفرة الاستثمار الحالية شركات مغربية أقوى، ومهارات أعلى، ووظائف أفضل أجرا، وصادرات أكثر تعقيدا. أما إذا بقيت الروابط المحلية محدودة، فقد يستمر الاستثمار في النمو من دون أن يتحول بالقدر نفسه إلى قاعدة إنتاجية وطنية أكثر عمقا.

وهنا يصبح سؤال القيمة المضافة مركزيا لا لأنه لأنه يقلل من أهمية الاستثمار، بل لأنه يحدد ما إذا كان الاستثمار يتحول إلى قدرة اقتصادية دائمة، أم يبقى مرتبطا بدرجة كبيرة بما يأتي من الخارج.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *