لا تكمن الأهمية السياسية والاقتصادية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 في حجم الاعتمادات التي يقترحها فحسب، وإنما في كونه أول اختبار مالي للتوجهات الاستراتيجية المعلنة خلال المجلس الوزاري المنعقد في 17 أكتوبر، وللالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي المقدم أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر. ذلك أن الانتقال من إعلان الأولويات إلى تخصيص الموارد يمثل مرحلة حاسمة في مسار السياسات العمومية، لكنه لا يعني بالضرورة أن شروط تنفيذها قد أصبحت متوفرة.

فبين التوجيه الاستراتيجي والالتزام الحكومي والاعتماد المالي مسافة ينبغي قياسها بدقة. وقد تكون هذه المسافة قصيرة عندما يتعلق الأمر بإجراء محدد، له غلاف مالي وأجل للتنفيذ ومؤشرات واضحة للنتائج، وقد تتسع، عكس ذلك، عندما تظل الأهداف عامة أو تتوزع وسائل تحقيقها بين قطاعات ومؤسسات وبرامج يصعب تحديد مساهمة كل منها.
ومن هذه الزاوية، يكشف مشروع مالية 2027 عن تقارب واضح بين الأولويات المعلنة والاختيارات المالية المقترحة. فالدولة الاجتماعية، والتنمية الترابية، وإدماج الشباب، وتعزيز السيادة الاقتصادية والاستراتيجية، ودعم الاستثمار، كلها مجالات حاضرة في التوجهات التي تم الإعلان عنها عنها خلال أكتوبر، كما تظهر في الوثائق والعروض المرتبطة بمشروع الميزانية. غير أن هذا التقارب لا يكفي وحده للحكم على مدى قدرة المشروع على تحقيق الأهداف المعلنة.
ولعل المجال الاجتماعي يقدم المثال الأكثر وضوحا على طبيعة هذا الاختبار. فقد اقترح المشروع رفع الاعتمادات المخصصة للصحة إلى نحو 45.4 مليار درهم، مقابل 42.4 مليار درهم سنة 2026، بالإضافة إلى إحداث 5400 منصب مالي في القطاع. كما تتجه الاعتمادات المخصصة للتربية الوطنية إلى نحو 106.9 مليارات درهم، مقابل 102.2 مليار درهم في السنة السابقة.
وتعكس هذه الأرقام توجها نحو تعزيز الموارد المخصصة لقطاعين أساسيين، لكنها تطرح في المقابل سؤالا لا يقل أهمية عن حجم الزيادة: كيف ستنعكس هذه الموارد على الخدمات التي يتلقاها المواطنون؟ ذلك أن رفع ميزانية الصحة لا يعني تلقائيا تقليص آجال المواعيد الطبية أو معالجة الخصاص في الأطر والتجهيزات، كما أن زيادة اعتمادات التعليم لا تكفي وحدها لإثبات تحسن التعلمات أو تقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية.
وبمعنى آخر، فإن الاعتمادات تمثل شرطا من شروط الإصلاح، لكنها ليست مقياسا نهائيا لنجاحه. ولهذا يصبح من الضروري ربط الزيادات المالية بمؤشرات قابلة للتتبع، تشمل توزيع الموارد بين الجهات، ومعدلات إنجاز المشاريع، وتطور جودة الخدمات، ومدى استفادة الفئات والمناطق التي تعاني أكبر مظاهر الخصاص.
وتبرز الإشكالية نفسها في مجال التنمية الترابية، الذي يحتل موقعا متقدما ضمن التوجهات الجديدة. فقد جرى الإعلان عن غلاف قدره 25 مليار درهم لتسريع برامج التنمية الترابية المندمجة، في إطار توجه يرمي إلى تقليص التفاوتات المجالية وتعزيز فعالية التدخل العمومي.
غير أن قراءة هذا الرقم تقتضي التمييز بين الغلاف الإجمالي المعلن، والاعتمادات التي يمكن تعبئتها خلال سنة 2027، والالتزامات المالية الممتدة إلى السنوات اللاحقة. وتشير المعطيات المنشورة بشأن المشروع إلى توزيع مالي يشمل اعتمادات للسنة المقبلة وترخيصا بالتزام مسبق على اعتمادات سنة 2028، وهو تفصيل يحتاج إلى قراءة دقيقة عند تقييم الوتيرة الفعلية للتمويل.
والأهم من ذلك أن تخصيص الموارد للتنمية الترابية لا يجيب وحده عن سؤال توزيعها. فالمعيار الحاسم لا يتمثل فقط في مقدار ما ستنفقه الدولة، وإنما في تحديد الجهات والمجالات المستفيدة، وطبيعة المشاريع الممولة، والاختصاصات الممنوحة للفاعلين الترابيين، وآليات التعاقد والتنسيق والمساءلة.
ولهذا فإن نجاح البرامج الترابية الجديدة سيعتمد، إلى جانب التمويل، على مدى قدرتها على تجاوز التشتت القطاعي، وربط الاستثمار بالحاجيات الفعلية للسكان، وتحويل الجهوية واللاتمركز الإداري من مبادئ تنظيمية إلى أدوات عملية لاتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
أما إدماج الشباب، فيمثل اختبارا آخر للعلاقة بين الالتزام السياسي والوسيلة المالية. فقد وضعت التوجهات المعلنة برنامجًا وطنيًا مندمجًا للشباب خلال الفترة 2027–2031، يقوم على الربط بين التعليم والتكوين والتشغيل والمبادرة الاقتصادية. وفي المقابل، يقترح مشروع المالية إحداث أكثر من 34 ألف منصب مالي موزعة على قطاعات مختلفة.
لكنْ، من الضروري هنا تجنب الخلط بين مناصب الشغل في الوظيفة العمومية وفرص التشغيل في الاقتصاد الوطني. فالمناصب المالية تساهم في تلبية حاجيات الإدارات والمرافق العمومية، بينما يتطلب إدماج الشباب في سوق الشغل منظومة أوسع تشمل الاستثمار المنتج، والتكوين الملائم، ودعم المقاولات، وتحسين شروط الولوج إلى النشاط الاقتصادي.
وعليه، فإن قياس مدى تقدم هذا الالتزام يقتضي تحديد الموارد الخاصة بالبرنامج الوطني للشباب، وعدد المستفيدين المستهدفين، وآليات التنسيق بين المتدخلين، والمؤشرات التي ستسمح بتقييم النتائج خلال السنوات الخمس المقبلة.
وفي مجال السيادة الاستراتيجية، يتجاوز اختبار التمويل حدود الميزانية العامة للدولة. ذلك أن المشاريع المرتبطة بالأمن المائي والطاقي والغذائي والرقمي تعتمد، في جانب مهم منها، على استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية والشراكات وآليات التمويل المختلفة.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الاستثمار العمومي المبرمج لسنة 2027، والذي تشير المعطيات المقدمة بشأن المشروع إلى بلوغه نحو 400 مليار درهم، منها استثمارات كبيرة للمؤسسات والمقاولات العمومية.
غير أن ضخامة الاستثمار المبرمج لا تكشف، بمفردها، عن مدى تقدمه نحو الأهداف الاستراتيجية. فالأمر يتطلب معرفة نصيب كل مجال من التمويل، ومراحل إنجاز المشاريع، والقدرات الإنتاجية المنتظرة، ومدى مساهمتها في تقليص التبعية الخارجية وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى الفرضيات الاقتصادية التي بُني عليها مشروع المالية. فقد اعتمدت الحكومة توقعا لنمو الاقتصاد بنسبة 3.7 في المائة سنة 2027، ومعدل تضخم في حدود 1.5 في المائة، مع استهداف عجز للميزانية لا يتجاوز 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وهذه المؤشرات لا تمثل مجرد خلفية تقنية للمشروع، بل تحدد جزءً من هامش الحركة المالي المتاح للحكومة. فتمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارات الاستراتيجية يظل مرتبطا بتطور النشاط الاقتصادي، وحصيلة الموارد العمومية، وقدرة الدولة والمؤسسات المعنية على تعبئة التمويل وتنفيذ البرامج. كما أن استهداف معدل نمو سنوي متوسط يبلغ 5 في المائة خلال الولاية الحكومية، مقابل توقع نمو بنسبة 3.7 في المائة في سنتها الأولى، يضع السياسات الاقتصادية أمام تحدي تسريع النمو خلال السنوات اللاحقة. ولا يتعلق الأمر هنا بتناقض حسابي بين الرقمين، بقدر ما يتعلق بمستوى الأداء الذي ينبغي تحقيقه حتى يصبح الهدف المتوسط قابلا للتحقق.
ومن هنا، فإن الاختبار الذي يواجه مشروع مالية 2027 يتجاوز مسألة تخصيص الأموال إلى سؤال أوسع، يتعلق بقدرة السياسات العمومية على تحقيق نتائج ملموسة ضمن قيود مالية واقتصادية محددة.
والواقع أن المشروع يقدم مؤشرات على شروع الحكومة في ترجمة عدد من التوجهات والالتزامات إلى اختيارات مالية وبرامج عمل. لكنه لا يسمح، في مرحلته الحالية، بالحكم على كفاية جميع الموارد المخصصة أو على النتائج التي ستترتب عنها. فبعض الالتزامات يحتاج إلى تدقيق مالي إضافي، وبعضها الآخر يرتبط بإصلاحات تنظيمية ومؤسساتية لا يمكن تقييمها من خلال الاعتمادات وحدها.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لمالية 2027 لن تتحدد فقط عند المصادقة على أرقامها، وإنما خلال مراحل تنفيذها، عندما يصبح بالإمكان مقارنة ما جرى الإعلان عنه بما خُصص له من موارد، ثم بما أُنجز فعليا وما أحدثه من تغيير في حياة المواطنين.
وهكذا، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يضع التوجيهات الاستراتيجية والوعود الحكومية أمام اختبار أولي للتمويل، لكنه يفتح في الوقت نفسه اختبارا أطول وأكثر حسما: الانتقال من تمويل السياسات العمومية إلى قياس نتائجها.
