تستعد الدار البيضاء لتحول كبير في منظومة التنقل، قد لا يقتصر أثره على تقليص مدة الرحلات بين أحيائها وضواحيها، بل يمتد إلى إعادة توزيع فرص العمل والسكن والاستثمار داخل مجالها الحضري. ذلك أن مشروع القطار الجهوي السريع لا يضيف خطوطًا ومحطات جديدة إلى الشبكة السككية فحسب، وإنما يضع الأسس لخريطة مختلفة للعلاقات بين المناطق السكنية والأقطاب الاقتصادية والخدماتية.

وتقوم هذه الرؤية على إنشاء شبكة للقطار الجهوي السريع بطول مخطط يبلغ نحو 92 كيلومترًا، موزعة على ثلاثة خطوط رئيسية و18 محطة. وتندرج الشبكة ضمن برنامج سككي أوسع تبلغ استثماراته المعلنة في الدار البيضاء الكبرى نحو 20 مليار درهم، يشمل تطوير البنية التحتية والمحطات والتجهيزات والخدمات.
ولعل أهمية المشروع تتضح أكثر عند النظر إلى الجغرافيا الاقتصادية للدار البيضاء. فالمدينة التي توسعت خلال العقود الماضية نحو المحمدية وزناتة والنواصر وبوسكورة، لم تعد تتطابق حدودها الوظيفية مع حدودها الإدارية. وأصبح جزء متزايد من حركة السكان اليومية يجري بين مناطق سكنية وأقطاب للعمل تفصل بينها مسافات طويلة، وتتطلب أحيانًا استعمال أكثر من وسيلة نقل.
ولهذا، فإن الرهان الأساسي للقطار الجهوي يتمثل في تقليص المسافة الزمنية بين هذه المجالات، بما يجعل السكن في منطقة والعمل في أخرى أقل ارتباطًا بالازدحام الطرقي وصعوبات التنقل.
وتشير المعطيات المعلنة عن البرنامج السككي إلى إحداث عشر محطات جديدة لقطارات القرب، وإعادة تأهيل خمس محطات قائمة، إلى جانب إنشاء ثلاث محطات كبرى من الجيل الجديد. كما يشمل البرنامج إنجاز نحو 260 كيلومترًا من السكك الجديدة، وبناء أو توسيع خمسين منشأة فنية، وإحداث مركزين تقنيين وخمسة مراكز للصيانة، واقتناء 48 قطارًا جديدًا مخصصًا لخدمات القرب والنقل الجهوي.
ولا يتعلق رقم 260 كيلومترًا بطول خطوط القطار الجهوي وحدها، بل بمجموع السكك الجديدة ضمن البرنامج السككي المتكامل، الذي يهدف أيضًا إلى الفصل بين حركة القطارات فائقة السرعة وقطارات القرب والخدمات السككية الأخرى.
وقد انتقل جزء من المشروع من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التعاقد، بعد إسناد صفقتين لبناء تسع محطات جديدة، في غشت 2026، إلى شركة “جدنا”(GIDNA SARL)، بقيمة إجمالية تقارب 470.72 مليون درهم دون احتساب الرسوم.
وتشمل الصفقة الأولى محطات المحمدية الكليات، وزناتة الصناعية، وسيدي البرنوصي، وعين السبع، بقيمة تقارب 214.52 مليون درهم. أما الثانية فتشمل الحي المحمدي، ومرس السلطان، والوازيس، وسيدي معروف، والنواصر المدينة الجديدة، بقيمة تناهز 256.20 مليون درهم.
وتكتسي مواقع هذه المحطات أهمية خاصة، لأنها تكشف عن توجه نحو ربط المناطق الصناعية والأحياء السكنية والأقطاب الخدماتية بشبكة سككية أكثر كثافة. فمحطات سيدي البرنوصي وعين السبع وزناتة الصناعية، مثلًا، تقع ضمن مجال يحتضن أنشطة إنتاجية ولوجستيكية مهمة، بينما ترتبط الوازيس وسيدي معروف بمناطق تعرف تركيزًا متزايدًا للمكاتب والخدمات والمقاولات.
أما النواصر، فتكتسب موقعًا استراتيجيًا بالنظر إلى ارتباطها بالمطار الدولي والأنشطة الصناعية واللوجستيكية المتنامية في محيطه.
بمعنى آخر، فقد تصبح المحطات الجديدة عناصر مؤثرة في تنظيم المجال الحضري لا مجرد نقاط لصعود المسافرين ونزولهم.
وتبرز أهمية هذا التحول في المؤشرات التشغيلية المستهدفة. فالتصور المعلن للشبكة يتضمن بلوغ تواتر قطار كل سبع دقائق ونصف على المقاطع الأكثر كثافة، وقطار كل خمس عشرة دقيقة نحو المطار، وخدمة جهوية بوتيرة قطار كل ثلاثين دقيقة نحو الجديدة وسطات.
كما تشير التوقعات إلى إمكانية بلوغ نحو 41 مليون رحلة سنويًا على شبكة القطار الجهوي في أفق سنة 2035. وهي تقديرات مرتبطة بإنجاز المشروع وتطور الطلب على النقل، وليست حصيلة تشغيل قائمة.
غير أن الأرقام الأكثر دلالة على البعد الاجتماعي للمشروع ترد في مؤشرات البرنامج الذي يدعمه البنك الدولي، والذي يستهدف تحسين استفادة أكثر من 560 ألف شخص من خدمات النقل السككي بحلول يونيو 2031.
وتتضمن أهداف البرنامج رفع عدد فرص العمل التي يمكن الوصول إليها خلال 45 دقيقة بنسبة 7%، وتحسين الوصول إلى الخدمات خلال المدة نفسها بنسبة 7.3%.
وتكمن أهمية هذين المؤشرين في أنهما يقيسان أثر النقل على الحياة اليومية للسكان، بدل الاكتفاء بقياس طول الخطوط أو عدد المحطات. ذلك أن المواطن لا يحتاج إلى القطار لذاته، وإنما يحتاج إلى وسيلة تمكنه من الوصول إلى عمله أو جامعته أو المستشفى أو غيرها من الخدمات، في وقت معقول وبتكلفة يمكن تحملها.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يؤدي تطوير القطار الجهوي إلى توسيع الخيارات السكنية والمهنية المتاحة للأسر. فقد يصبح العمل في منطقة صناعية بعيدة نسبيًا عن محل الإقامة أكثر قابلية للتنظيم، كما قد تتعزز جاذبية بعض الأحياء والمناطق المحيطة بالمحطات.
لكن هذه النتائج تظل احتمالات مرتبطة بشروط التنفيذ والتشغيل. فوجود محطة جديدة لا يكفي وحده لإحداث تحول اقتصادي أو اجتماعي، إذا لم تكن مرتبطة بشبكة فعالة للحافلات والترامواي، وإذا ظلت تكلفة الرحلات أو مواعيدها غير ملائمة لحاجيات السكان.
كما أن تحسين الربط السككي قد ينعكس على السوق العقارية، من خلال رفع جاذبية المواقع القريبة من المحطات. وقد يفتح ذلك فرصًا للاستثمار والخدمات، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال قدرة الأسر محدودة الدخل على الاستفادة من التحسن في التنقل دون التعرض لضغوط إضافية على كلفة السكن.
ولهذا، فإن نجاح المشروع لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى احترام آجال إنجاز الأشغال أو بعدد القطارات التي ستدخل الخدمة، بل أيضًا بقدرته على تحقيق تكامل فعلي بين وسائل النقل، وتوسيع فرص الوصول إلى العمل والخدمات، وتقليص الفوارق بين المجالات الحضرية.
والواقع أن الدار البيضاء تقف أمام فرصة لإعادة تنظيم جزء مهم من حركتها اليومية. فإذا أُنجزت الشبكة وفق المواصفات المعلنة، وتوفرت لها شروط التشغيل والتكامل مع النقل الحضري، فإن أثرها قد يتجاوز تحسين حركة المسافرين إلى إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين مركز المدينة وأطرافها.
وهكذا، فإن الرهان الحقيقي للقطار الجهوي ليس فقط أن تصبح الرحلات أسرع، بل أن تصبح المدينة نفسها أكثر ترابطًا، وأن تتحول المسافات التي تفصل السكن عن العمل والخدمات من عائق يومي إلى مجال أوسع للاختيار والفرص.
