الولاية الحكومية الجديدة تبدأ قبل البرنامج

الاهتمام الذي رافق تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مفهوم من الناحية الرمزية. فالمغرب عيّن، في 29 شتنبر 2026، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخه، بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر.

غير أن أهمية الولاية الحكومية الجديدة لن تتحدد فقط بهوية من تقودها، بل بما ستأتي به من سياسات، وما ستغيره في حياة المغاربة، وما ستتمكن من تحويله من وعود وقرارات إلى نتائج قابلة للقياس.

لا تبدأ الولاية الحكومية  من صفحة بيضاء تنتظر أن يُكتَبَ عليها البرنامج الحكومي. بل إن الدولة مستمرة في العمل، وميزانية 2026 قيد التنفيذ، وهناك برامج وإصلاحات ومشاريع استثمارية قائمة، فيما دخل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 مساره قبل إجراء الانتخابات نفسها. ففي 22 يوليوز الماضي قدمت وزارة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بمجلسي البرلمان عرضا حول تنفيذ ميزانية 2026، والإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية 2027، والبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029. وفي 12 غشت نشرت الوزارة المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد مشروع قانون المالية المقبل.

هذا يعني أن الحكومة الجديدة ستدخل ولاية سياسية جديدة، لكنها ستجد أمامها مسارات مالية وإدارية واقتصادية بدأت قبل وصولها. ولن يكون كل ما سينفذ خلال السنوات المقبلة قد بدأ معها، كما أن استمرار سياسة أو برنامج قائم لا يعني بالضرورة أنها صاحبة فكرته الأولى.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن اختيارات الولاية الجديدة محددة سلفا. فمشروع قانون المالية لسنة 2027 لم يتحول بعد إلى سياسة نهائية للحكومة المقبلة، والبرنامج الحكومي لم يعرض بعد. وسيكون على الحكومة الجديدة أن تحدد ما الذي ستستمر فيه، وما الذي ستعيد ترتيبه، وما الذي ستضيفه من أولويات جديدة.

هذه التفرقة ستكون ضرورية لفهم حصيلتها لاحقا. فقد يكون من السهل بعد سنة أو سنتين جمع عدد من المشاريع والقرارات ووضعها تحت عنوان «حصيلة الحكومة». بَيْدَ أن الأصعب هو معرفة ما الذي كان قائما قبل بدايتها، وما الذي قررت استكماله، وما الذي أطلقته بنفسها، وما الذي تم تمويلُه فعليا، وما الذي بدأ تنفيذه، ثم ما الذي حقق نتيجة يمكن قياسها.

وحتى من الناحية المؤسساتية، توجد مرحلة انتقالية واضحة. ذلك أن القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة ينظم استمرار تصريف الأمور الجارية، ويضع حدودا أمام اتخاذ تدابير تلزم الحكومة المقبلة بصورة دائمة، بما يضمن في الوقت نفسه استمرارية الدولة والمرافق العمومية.

لهذا ستكون الأشهر الأولى من الولاية الجديدة مهمة بقدر أهمية نهايتها. وفي هذه الفترة سيتضح كيف ستتعامل الحكومة مع البرامج القائمة، وما هي الأولويات التي ستعطيها للميزانية، وكيف ستترجم برنامجها إلى اعتمادات وآجال ومؤشرات، وما إذا كانت الاختيارات الجديدة ستظهر بالفعل في السياسات العمومية أم ستظل في مستوى الخطاب.

طبعاً، ستظل الرمزية المرتبطة بوصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة جزءً من تاريخ هذه الولاية. لكن التاريخ السياسي لا يكتب بالرمزية وحدها. وبعد خمس سنوات، ستكون الأسئلة الأكثر قابلية للقياس مختلفة: ماذا حدث للتشغيل؟ ماذا تغير في المدرسة والصحة والحماية الاجتماعية؟ كيف تطورت القدرة الشرائية والاستثمار والماء والنقل والسكن؟ وما مقدار ما تحقق من الالتزامات التي ستقدمها الحكومة أمام البرلمان؟

من هنا فإن متابعة الولاية الجديدة فعليا تبدأ الآن، ولا تحتاج انتظار نهاية السنوات الخمس للحكم على حصيلتها. فحتى قبل البرنامج الحكومي، هناك أرقام وسياسات وميزانيات ومشاريع قائمة. وكلما كانت هذه الصورة أكثر دقة، أصبح ممكنا في المستقبل التمييز بين ما ورثته الحكومة وما صنعته، وبين ما أعلنته وما نفذته، وبين ما أنفقته وما حققته. وهذا، أكثر من أي صورة رمزية، لأنه الاختبار الذي ستكشفه السنوات المقبلة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *