الفيديو يتحول إلى أداة للعمل الأمني

في مارس الماضي، رصدت مصالح اليقظة المعلوماتية بمراكش مقطع فيديو منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر شخصا وهو يهدد ويبتز مواطنا أجنبيا داخل المدينة العتيقة. لم تكن المصالح الأمنية قد تلقت شكاية مسبقة بشأن الواقعة، لكن الفيديو كان كافيا لفتح أبحاث تقنية وميدانية انتهت إلى تحديد هوية المشتبه فيه وتوقيفه.

وتكررت الآلية نفسها خلال الأشهر التالية في مدن وقضايا مختلفة. ففي الدار البيضاء، قاد فيديو يتضمن تحريضا على الكراهية وعنفًا ضد مواطن من إفريقيا جنوب الصحراء إلى تحديد الضحية والاستماع إليه، ثم التعرف على المشتبه فيه وتوقيفه. وفي سوق السبت أولاد النمة، ساعد مقطع متداول يظهر تبادلا للعنف واستعمال أسلحة بيضاء على تحديد خمسة أشخاص وتوقيفهم، بينما قادت تسجيلات منشورة في مراكش إلى توقيف مشتبه فيه في محاولة نشل سيدة.

ولم يعد الاستعمال الأمني للفيديو مقتصرا على توثيق جريمة تقع أمام الكاميرا. ففي مكناس، رصدت المصالح الأمنية إعلانات رقمية تعرض وثائق وشهادات مزورة للبيع، وقادت التحريات إلى تحديد المشتبه فيه وتوقيفه. وفي طنجة، أدى منشور يعرض مقذوفات قديمة للبيع إلى بحث تقني وميداني انتهى بحجز خمس مقذوفات وإحالتها إلى الخبرة. كما رصدت المصالح الأمنية خلال شتنبر محتويات ومنشورات تدعو إلى محاولات جماعية للهجرة غير النظامية باتجاه سبتة ومليلية، وانتهت الأبحاث إلى توقيف عدد من المشتبه فيهم.

وتشير هذه الوقائع جميعُها إلى تحول تدريجي في طريقة إنتاج المعلومة الأمنية. فالمعلومة لم تعد تصل فقط عبر الشكاية أو الدورية أو محضر الضبط أو مصدر ميداني، بل يمكن أن تبدأ من هاتف مواطن، أو كاميرا مراقبة، أو منشور على شبكة اجتماعية، أو تسجيل ينتشر بين المستخدمين.

ولا يحل الفيديو طبعاً محل التحقيق. بل إن النمط الذي يتكرر في البلاغات الأمنية هو أن الصورة أو المنشور يشكلان نقطة البداية، ثم تنتقل المصالح الأمنية إلى التحقق التقني والميداني، وتحديد المكان والأشخاص والمركبات، والاستماع إلى المعنيين، وربط المعطيات الرقمية بمعطيات أخرى قبل الانتقال إلى التوقيف أو البحث القضائي.

وتظهر قاعدة البيانات الأمنية التي بنتها منصة «رهانات» للإعلام الاجتماعي هذا المسار نفسه في وقائع مختلفة. ففي مراكش، استُعملت تسجيلات كاميرات المراقبة في تحديد مشتبه فيهما في سرقة محل للمجوهرات بحي الملاح. كما ارتبطت مقاطع متداولة بقضايا السياقة الاستعراضية ومضايقة السياح والاعتداءات في الفضاء العام. ولا تجمع هذه القضايا طبيعةٌ إجرامية واحدة، لكن يجمعها دخول الصورة الرقمية في بداية أو وسط مسار التحري.

وهذا التطور يفسر الحضور المتكرر لمفهوم «اليقظة المعلوماتية» في البلاغات الأمنية. فوظيفة هذه اليقظة لم تعد تقتصر على متابعة ما يُنشر عن المؤسسات الأمنية أو التفاعل مع الشائعات، بل أصبحت تشمل التقاط إشارات قد تتحول إلى معلومات قابلة للاستغلال الأمني.

ويضيف انتشار كاميرات المراقبة طبقة أخرى إلى هذا التحول. فاللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي خصصت منذ سنوات إطارا تنظيميا لأنظمة المراقبة بالكاميرات، ثم أطلقت في 2025 ورشا جديدا لمراجعة الموضوع، شاركت فيه مؤسسات أمنية وإدارية، بينها المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي والمديرية العامة للجماعات الترابية. وهو ما يعكس اتساع استعمال الصورة داخل الفضاءات العامة والخاصة، والحاجة في الوقت نفسه إلى تنظيم شروط جمعها وحفظها واستعمالها.

ويمنح القانون المغربي للفيديو قيمة ممكنة ضمن منظومة الإثبات، من دون أن يحوله إلى دليل حاسم بصورة تلقائية. فالمادة 286 من قانون المسطرة الجنائية تقوم على مبدأ حرية الإثبات في المادة الجنائية، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، مع بقاء تقدير وسائل الإثبات للقاضي. وهذا يعني أن التسجيل المرئي يمكن أن يدخل ضمن عناصر الملف، لكنه يخضع للتقييم والمناقشة إلى جانب بقية الأدلة والقرائن.

وتفرض هذه القدرة الجديدة في المقابل أسئلة تتعلق بالخصوصية. فالقانون 09.08 يعتبر الصورة والصوت من المعطيات ذات الطابع الشخصي عندما تسمح بالتعرف على شخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولذلك فإن اتساع المراقبة المرئية لا يعني حرية مطلقة في التصوير أو الحفظ أو النشر، بل يضع العمل الأمني واستخدام الكاميرات أمام ضرورة التوفيق بين متطلبات الأمن وحماية الحياة الخاصة.

ويضاف إلى ذلك تحدٍّ آخر يتزايد مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي: صحة الصورة نفسها. فالفيديو قد يكون قديما، أو مجتزأ، أو منشورا خارج سياقه، أو خاضعا للتعديل. وقد اضطرت المصالح الأمنية في حالات متعددة إلى استعمال اليقظة الرقمية في الاتجاه المعاكس، أي للتحقق من محتويات متداولة ونفي ادعاءات ثبت أنها غير صحيحة، كما وقع مع محتويات ادعت حدوث عمليات لاختطاف الأطفال في عدد من المدن.

وهكذا لا يبدو التحول في كون المجتمع أصبح ينتج صورا أكثر فقط، بل في أن هذه الصور بدأت تدخل بصورة منتظمة في الدورة اليومية للعمل الأمني. فبين لحظة نشر الفيديو ولحظة فتح البحث تتشكل سلسلة جديدة: رصد رقمي، تحقق، تحديد للهوية والمكان، تحريات ميدانية، ثم إجراء أمني أو قضائي.

ولم يعد الفيديو، في هذا السياق، مجرد شاهد على الواقعة. بل إنه يتحول تدريجيا إلى أحد المداخل التي تبدأ منها المعلومة الأمنية، في بيئة أصبح فيها جزء متزايد من الحياة العامة يترك وراءه أثرا رقميا قابلا للرصد والتحليل والتحقق.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *