أربعة مطارات تدخل مرحلة جديدة من التمويل

دخل برنامج توسيع وتحديث مطارات مراكش وأكادير وطنجة وفاس مرحلة جديدة، بعد توقيع اتفاق قرض بقيمة 270 مليون يورو بين البنك الإفريقي للتنمية والمكتب الوطني للمطارات. غير أن أهمية هذا التمويل تتجاوز قيمته المعلنة، إذ يشكل جزءً من برنامج استثماري تقدر تكلفته الإجمالية الأولية بنحو 863 مليون يورو، ويستهدف توسيع الطاقة الاستيعابية للمطارات الأربعة وتحسين تجهيزاتها وخدماتها في أفق سنة 2030.

وتأتي الاتفاقية بعد موافقة مجلس إدارة البنك الإفريقي للتنمية، في دجنبر 2025، على تمويل برنامج توسيع وتحديث البنيات التحتية للمطارات، المعروف اختصاراً باسم “بيميا (PEMIA) “. وبذلك انتقل التمويل من مرحلة الموافقة إلى مرحلة التعاقد، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء الدراسات أو إسناد جميع الصفقات أو انطلاق الأشغال في المطارات المعنية.

وبحسب التقديرات المالية الأولية للبرنامج، تبلغ مساهمة البنك 270 مليون يورو، أي نحو 31 في المائة من التكلفة الإجمالية، فيما يتولى المكتب الوطني للمطارات والدولة المغربية تعبئة تمويل مقابل يناهز 593.4 مليون يورو، بما يعادل نحو 69 في المائة.

ويكشف هذا التوزيع أن البرنامج لا يقوم على تمويل خارجي منفرد، وإنما على تعبئة مشتركة للموارد، تجمع بين الاقتراض والاستثمار الوطني. كما أن المبلغ الإجمالي لا يقتصر على بناء وتوسيع المحطات الجوية، بل يشمل تجهيزات ومكونات تقنية مرتبطة بتشغيل المطارات وسلامة الملاحة وجودة الخدمات.

ويأتي البرنامج ضمن توجه استثماري وطني أوسع، حدد بروتوكول الاتفاق الموقع بين الحكومة والمكتب الوطني للمطارات في يوليوز 2025 غلافه الإجمالي في 38 مليار درهم خلال الفترة 2025–2030. ويخصص هذا البرنامج الأوسع 25 مليار درهم لتطوير القدرات الاستيعابية وإنشاء تجهيزات مطارية جديدة، بما فيها مشروع المحطة المحورية الجديدة والمدرج بمطار محمد الخامس، مقابل 13 مليار درهم للصيانة والتحديث والتعبئة العقارية.

ولهذا لا يصح التعامل مع قرض البنك الإفريقي باعتباره تمويلاً إضافياً مستقلاً يمكن جمعه تلقائياً مع مبلغ 38 مليار درهم. فالأول يتعلق بمساهمة مالية في برنامج محدد، بينما يمثل الثاني الإطار الاستثماري الوطني الأشمل الذي تندرج ضمنه عمليات متعددة.

وعلى مستوى المطارات الأربعة، حُددت أهداف متفاوتة للطاقة الاستيعابية في أفق 2030. إذ يُنتظر أن تبلغ قدرة مطار مراكش المنارة 14 مليون مسافر سنوياً، مقابل خمسة ملايين بمطار أكادير المسيرة، و3.6 ملايين بمطار طنجة ابن بطوطة، وثلاثة ملايين بمطار فاس سايس.

وتعكس هذه الأهداف اختلاف الأدوار الاقتصادية والسياحية للمجالات الحضرية المعنية. فمراكش تمثل مركزاً سياحياً دولياً كبيراً يحتاج إلى استيعاب حركة جوية مرتفعة، بينما يرتبط تطوير مطار أكادير بتعزيز الربط الجوي لوجهة سياحية مهمة وامتدادها الجهوي. أما طنجة فتجمع بين الوظائف السياحية والصناعية واللوجستية، في حين تتيح زيادة قدرات مطار فاس إمكانات جديدة لتعزيز الاتصال الجوي للمدينة ومحيطها الجهوي.

غير أن هذه الوظائف الاقتصادية لا تعني أن توسيع المطارات سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع السياحة والاستثمار والتشغيل بالمعدلات نفسها. فالطاقة الاستيعابية تمثل الإمكان التقني لاستقبال المسافرين، أما الحركة الفعلية فتتأثر بالطلب على السفر والخطوط الجوية وتردد الرحلات وأسعار النقل وجاذبية الوجهات والخدمات المرتبطة بها.

ولعل تجربة مطار مراكش توضح أهمية هذا التمييز. فقد تجاوز المطار عتبة عشرة ملايين مسافر سنوياً خلال سنة 2025، وفق معطيات المكتب الوطني للمطارات. وتعني زيادة قدرته المستهدفة إلى 14 مليوناً أن الاستثمار يرمي إلى توفير هامش إضافي لاستيعاب الحركة المستقبلية، لكنه لا يشكل ضمانة مسبقة للوصول إلى ذلك الرقم من المسافرين الفعليين.

ولا تقتصر العمليات المرتقبة على زيادة المساحات المخصصة لاستقبال المسافرين. فالوثائق المنشورة بشأن البرنامج تتضمن توسيع المحطات، وتهيئة مواقف الطائرات وممرات حركتها، وتحديث تجهيزات الأمن والسلامة، وإدخال أنظمة آلية لمعالجة الأمتعة، فضلاً عن تطوير أنظمة الملاحة والخدمات الرقمية. وتشمل المكونات التقنية المدروسة أيضاً إنشاء برج للمراقبة بمطار مراكش.

ومن شأن هذه التدخلات، عند إنجازها وتشغيلها، أن تؤثر في عدد من مؤشرات الأداء التي لا تظهر بالضرورة في أرقام الطاقة الاستيعابية وحدها، مثل أوقات معالجة الأمتعة، وسرعة مرور المسافرين، وجودة تنظيم الحركة داخل المحطات، وكفاءة استغلال التجهيزات.

وقد ربط البنك الإفريقي للتنمية البرنامج أيضاً بأهداف بيئية واجتماعية، من خلال إدراج اعتبارات النجاعة الطاقية والمرونة المناخية وتدبير الآثار المرتبطة بالأشغال. وتبرز أهمية هذه الجوانب لأن توسعة المطارات لا تنفصل عن استعمال العقار واستهلاك الموارد والتأثيرات المحتملة في المناطق المجاورة.

ولهذا فإن تقييم البرنامج ينبغي ألا يتوقف عند الحصول على التمويل أو الإعلان عن أهداف سنة 2030. بل يتعين تتبع توزيع الاستثمارات بين المطارات الأربعة، وتواريخ إسناد الصفقات، وتقدم الأشغال، وكلفة العمليات، ومدى احترام الآجال، ثم مقارنة القدرات الجديدة بالحركة الفعلية للمسافرين والبضائع.

كما أن الأثر الاقتصادي المحلي يظل مرتبطاً بما يحدث خارج أسوار المطارات أيضاً. فزيادة الحركة الجوية قد تفرض تطوير النقل العمومي والطرق المؤدية إلى المحطات والخدمات الفندقية واللوجستية، حتى تتمكن المدن من الاستفادة من تحسين الربط الجوي. وبذلك يصبح الاستثمار المطاري جزءً من مسألة أوسع تتعلق بقدرة المجالات الترابية على استقبال النشاط الاقتصادي وتنظيمه.

والنتيجة أن اتفاق التمويل بقيمة 270 مليون يورو يمثل تقدماً في تعبئة الموارد اللازمة لتحديث أربعة مطارات مغربية، لكنه ليس نهاية المشروع ولا مقياساً لنجاحه. فالاختبار الحقيقي سيتمثل في تحويل التمويلات المعبأة إلى تجهيزات منجزة، ثم تحويل القدرات الجديدة إلى خدمات أفضل وفرص اقتصادية ملموسة للمدن والمناطق التي تخدمها هذه المطارات.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *