آراء أهل المدينة القديمة: إشكالية السكن البديل

عندما كتب أبو نصر الفارابي مؤلفه الشهير “آراء أهل المدينة الفاضلة”، فقد كان يفكر في المدينة باعتبارها جماعة بشرية تنتظم لتحقيق الخير والسعادة، لا من حيث هي مجرد تجمع من المباني والشوارع. وكان مفهوم المواطنة، بمعناه القانوني والسياسي الحديث، لا يزال بعيدًا عن التصور الذي نعرفه اليوم. أما في المدينة اليونانية القديمة، فقد كان هناك من يقيمون داخل أسوارها دون أن يتمتعوا بحقوق مواطنيها، ومنهم من عُرفوا باسم “الميتيك” (Métèques)، أي الأجانب المقيمين الذين لم تكن لهم الحقوق السياسية نفسها التي يتمتع بها المواطنون.

أما اليوم، فنحن أمام مواطنين يفترض أنهم يتمتعون بكامل حقوق المواطنة. لكنهم لا يعيشون في مدينة الفارابي الفاضلة، وإنما في المدينة القديمة بالدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب. وهم لا يطالبون بمدينة مثالية، وإنما بسكن آمن ومستقر، وبمعرفة مصيرهم حين تغادر أسرهم بيوتًا أقامت فيها عقودا طويلة، وبضمان ألا يتحول إنقاذهم من خطر المباني الآيلة للسقوط إلى انتقال يحمل معه مشكلات اجتماعية واقتصادية جديدة. ذلك أن إشكالية السكن البديل بالمدينة القديمة لا تختزل في عدد الشقق التي يجري البحث عنها، ولا في عدد المباني التي تقرر هدمها أو تدعيمها. بل إنها تتعلق، قبل ذلك وبعده، بالشروط التي تنتقل فيها الأسر من مساكنها القديمة إلى مساكن جديدة، وبالمسافة التي تفصلها عن أماكن عملها ومدارس أبنائها وشبكات علاقاتها الاجتماعية، ثم بالمعايير التي تحدد من يستفيد من إعادة الإسكان ومن يبقى في الانتظار.

وتكشف الوثائق الرسمية أن معالجة هذا الملف ليست عملية حديثة. ففي 14 ماي 2018، أُبرمت اتفاقية البرنامج الثالث لتأهيل المدينة القديمة بالدار البيضاء، بغلاف مالي أصلي قدره 300 مليون درهم، وبأفق زمني حُدد في خمس سنوات. وكان البرنامج يستهدف، ضمن مكوناته، معالجة وضعية نحو ثلاثة آلاف بناية مهددة بالانهيار، من أصل حوالي 4400 بناية شملتها المعطيات الواردة في وثائقه.

ولعل أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجم التدخل العمراني وحده، وإنما في كونها تكشف أن السلطات كانت أمام مشكلة بنيوية واسعة النطاق، لا يمكن حلها بإجراءات ظرفية أو عمليات إخلاء متفرقة. فالمباني المهددة بالانهيار تمثل خطرًا حقيقيًا على حياة السكان، والتدخل لمعالجتها ضرورة لا تحتمل التأجيل كلما ثبت وجود تهديد لسلامتهم.

غير أن الوثيقة نفسها لم تحصر التدخل في الأشغال الهندسية. فقد تضمنت إمكانات لإيواء السكان مؤقتًا أو نهائيًا، وآليات للمساعدة الاجتماعية، بما فيها التعويض أو المساهمة في تحمل أعباء الكراء، وفق الشروط والمساطر المعتمدة. بمعنى آخر، كان البعد الاجتماعي حاضرًا في التصور الأصلي للبرنامج، إلى جانب معالجة الخطر العمراني.

ومع ذلك، ظلت الحاجة إلى تعبئة مساكن بديلة قائمة. ففي أكتوبر 2026، أعلنت الوكالة الحضرية للدار البيضاء طلب إبداء اهتمام جديدًا لتوفير شقق اجتماعية مخصصة لإعادة إيواء أسر تقطن مباني آيلة للسقوط بالمدينة القديمة، على أن توجد هذه الشقق في مشاريع تقع بالدار البيضاء أو بإقليم النواصر.

ولم يكن هذا الإعلان الأول من نوعه، إذ سبقته طلبات أخرى خلال سنتي 2024 و2025. ولا يكفي تكرار هذه الطلبات للاستنتاج بأن عمليات إعادة الإسكان السابقة فشلت، لأن الإعلان عن طلب جديد قد يرتبط بحاجيات إضافية أو بمراحل مختلفة من البرنامج. لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا عن حصيلة العمليات السابقة: كم شقة جرى التعاقد بشأنها؟ وكم أسرة تسلمت سكنها البديل بالفعل؟ وكم أسرة ما زالت تنتظر تسوية وضعيتها؟ وهي، بالتأكيد، أسئلة لا تجيب عنها أعداد الشقق المطلوبة في الإعلانات، لأن طلب توفير السكن ليس هو التعاقد عليه، والتعاقد ليس هو تسليمه، وتسليم الشقة لا يعني بالضرورة انتهاء جميع الصعوبات التي قد تواجه الأسرة المستفيدة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن موقع السكن البديل يكتسي أهمية خاصة. ذلك أن الانتقال من المدينة القديمة إلى حي بعيد داخل الدار البيضاء، أو إلى مشروع سكني بإقليم النواصر، لا يمثل مجرد تغيير للعنوان. فجزء من اقتصاد المدينة القديمة يقوم على التجارة والحرف والخدمات الصغيرة والأنشطة المرتبطة بالقرب المكاني. وقد يترتب على انتقال الأسرة إلى منطقة أخرى ارتفاع في نفقات التنقل أو تغير في ظروف العمل والتمدرس، بحسب وضعيتها وموقع السكن الجديد.

ولهذا، فإن نجاح إعادة الإسكان لا يقاس فقط بتوفير سقف آمن، رغم أهمية ذلك، وإنما أيضًا بمدى قدرة الأسر على إعادة تنظيم حياتها في محيطها الجديد. والسكن الذي يبعد صاحبه عن مصدر رزقه قد يحل مشكلة السلامة الجسدية، لكنه قد يخلق أعباء اقتصادية واجتماعية تحتاج بدورها إلى معالجة.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ننتقل إلى ملف المحج الملكي، الذي يتقاطع جغرافيًا مع المدينة القديمة، لكنه يرتبط بمشروع تهيئة عمرانية ومساطر خاصة لا ينبغي الخلط بينها وبين برنامج معالجة المباني الآيلة للسقوط.

فقد أُعلنت سنة 2025 اتفاقية لتسريع إنجاز مشروع المحج الملكي بغلاف مالي يقارب ملياري درهم، في إطار مشروع عمراني واسع يستهدف إعادة تنظيم جزء من المجال الحضري الممتد عبر أحياء مركزية بالدار البيضاء. ويقتضي تنفيذ المشروع معالجة الوضعيات السكنية والعقارية للأسر الموجودة في نطاق التدخل، وفق المعايير والآليات المقررة.

غير أن بعض الأسر المتضررة من عمليات الهدم عبّرت، خلال الأشهر الماضية، عن اعتراضها على كيفية تدبير الاستفادة من التعويضات أو السكن البديل. وشهد محيط مقر ولاية جهة الدار البيضاء-سطات احتجاجات، من بينها وقفة يوم 6 أكتوبر 2026، تحدث خلالها محتجون عن عدم إدراج أسمائهم ضمن المستفيدين، رغم تأكيدهم توفرهم على وثائق تثبت إقامتهم في المساكن المعنية.

ومن بين الشهادات المنشورة، تحدث المواطن المكي المنصوري عن الصعوبات التي واجهها بعد مغادرة مسكنه، وعن إقامته لدى أقارب في انتظار تسوية وضعيته، وفق ما نقلته عنه إحدى وسائل الإعلام المحلية. وهي شهادة فردية لا تسمح بتعميم الوضع على جميع الأسر، لكنها تكشف طبيعة المشكلات التي يمكن أن تنشأ عندما تتأخر التسوية السكنية عن الإخلاء.

وفي المقابل، سبق لمسؤولين محليين التأكيد أن عمليات إعادة الإسكان والتعويض تجري في إطار مساطر تهدف إلى ضمان حقوق الأسر المعنية. وبين التصريحات المؤسساتية وشكايات المتضررين، تبقى الحاجة قائمة إلى معطيات تفصيلية ومحينة تبين عدد الأسر المحصاة، وعدد المستفيدين فعليًا، وحجم الملفات التي ما زالت موضوع مراجعة أو نزاع.

ولعل السؤال الأكثر حساسية هنا لا يتعلق فقط بحجم الموارد المرصودة، وإنما بمعايير الاستفادة ووضوحها بالنسبة إلى السكان. فحين تعتمد عملية إعادة الإسكان على إحصاء إداري ووثائق إثبات ومعايير أهلية، يصبح من الضروري أن يعرف كل معني بالأمر سبب قبول ملفه أو رفضه، والمسار المتاح له للطعن أو طلب المراجعة.

كما أن بعض آليات الحصول على السكن البديل تتضمن مساهمات مالية من المستفيدين، إلى جانب الدعم العمومي أو المؤسساتي. وتطرح هذه الصيغة بدورها مسألة القدرة المالية للأسر، خصوصًا عندما يكون المستفيد محدود الدخل أو غير قادر على الحصول على تمويل بنكي. ولا يمكن تقييم عدالة هذه الآليات دون معرفة شروط كل برنامج والفئات التي تطبق عليها والإعفاءات أو المساعدات المتاحة.

وهكذا، تبدو إشكالية السكن البديل بالمدينة القديمة واقعة عند تقاطع ثلاثة اعتبارات مشروعة: ضرورة حماية السكان من خطر انهيار المباني، وحاجة المدينة إلى إنجاز مشاريع التهيئة والتأهيل، وحق الأسر المعنية في معاملة منصفة وواضحة تحفظ استقرارها قدر الإمكان.

وليست هذه الاعتبارات متعارضة بالضرورة. فمن الممكن أن يكون التدخل العمراني ضروريًا، وأن تكون موارده المالية مهمة، وأن تظل مع ذلك بعض الوضعيات الفردية بحاجة إلى مراجعة أو مواكبة إضافية. كما أن وجود احتجاجات لا يلغي ما تحقق من عمليات إعادة إسكان، مثلما لا يكفي الإعلان عن برامج ومشاريع لإثبات تسوية جميع الحالات.

ولهذا، فإن ما ينقص النقاش العمومي حول المدينة القديمة ليس المزيد من الأرقام الإجمالية وحدها، بل حصيلة مفصلة وقابلة للتحقق: عدد البنايات التي عولجت، وعدد الأسر التي أُخليت، وعدد الشقق التي وُفرت وسلمت، والتوزيع الجغرافي للسكن البديل، وحجم المساعدات الاجتماعية، ثم عدد الملفات العالقة وأسباب عدم تسويتها. وعندئذ فقط يمكن الانتقال من الجدل حول النوايا والوعود إلى تقييم النتائج الفعلية للسياسات العمومية.

لقد تصور الفارابي مدينته الفاضلة باعتبارها جماعة يتعاون أفرادها على تحقيق غاية مشتركة. أما المدينة القديمة بالدار البيضاء، فلا تحتاج إلى أن تصبح مدينة فاضلة حتى تستجيب لانتظارات سكانها. بل يكفي أن تنجح في الجمع بين حماية أرواحهم وصيانة حقوقهم، وأن تجعل الانتقال إلى السكن البديل انتقالًا نحو حياة أكثر أمنًا واستقرارًا، لا مجرد انتقال من بناية إلى أخرى. فالمدينة لا تُقاس فقط بما تنجزه من طرق ومبانٍ ومشاريع، وإنما أيضًا بما تفعله بحياة الناس الذين يسكنونها.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *