هل ينظم المغرب وحده كأس العالم القادمة؟

في السياسة، لا تكون النتائج دائما هي الأهداف المعلنة، ولا تحتاج التحولات الكبرى بالضرورة إلى خطة مكتوبة سلفا حتى تصبح ممكنة. يكفي أحيانا أن تتغير موازين المصالح والضغوط، وأن يصبح خيار كان مستبعدا قبل أشهر أقل كلفة من الاستمرار في الوضع القائم.

هذا تحديدا ما يجعل الأزمة الحالية بين المغرب وإسبانيا حول سبتة جديرة بأن تُقرأ من زاوية تتجاوز الحدود والهجرة والعلاقات الثنائية، لتصل إلى واحد من أكبر المشاريع التي تجمع البلدين: تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030.

قبل أسابيع قليلة فقط كان المونديال واحدا من أبرز رموز التقارب المغربي الإسباني. المغرب وإسبانيا والبرتغال حصلت مجتمعة على حق تنظيم البطولة، والبلدان الثلاثة تعمل على بناء حدث يقوم في جزء كبير من رمزيته على وصل إفريقيا بأوروبا عبر مضيق جبل طارق. لكن استطلاعا للرأي أجرته مؤسسة Sigma Dos لصالح صحيفة El Mundo بعد أزمة سبتة أظهر أن هذه الصورة بدأت تتصدع داخل المجتمع الإسباني.

الاستطلاع، الذي أجري بين 20 و26 غشت 2026 وشمل 2173 شخصا بهامش خطأ يناهز 2.1 نقطة، أظهر أن 84.4 في المائة من المستجوبين يرفضون استمرار تنظيم مونديال 2030 مع المغرب. والأهم أن هذه النتيجة لم تأت منفصلة عن رؤية أوسع للأزمة، إذ قال 90.4 في المائة من المستجوبين إنهم يرون المغرب وراء أحداث سبتة، بينما اعتبر قسم مهم منهم أن ما حدث يدخل في إطار الضغط على إسبانيا.

الأرقام لا تعني أن إسبانيا ستنسحب غدا من تنظيم كأس العالم. فالرأي العام لا يملك قانونيا سلطة تغيير قرار الفيفا، والحكومة الإسبانية الحالية ما تزال حريصة على إبقاء الأزمة تحت السيطرة والحفاظ على التعاون مع الرباط. وقد أكد بيدرو سانشيز نفسه في البرلمان أنه لا توجد، في نظر حكومته، أدلة قاطعة تثبت أن السلطات المغربية دبرت عملية العبور الجماعي إلى سبتة، رغم إقراره بأن القوات المغربية سمحت بعبور الحدود خلال فترة حاسمة من الأزمة.

لكن أهمية الاستطلاع تكمن في مكان آخر. فقد كشف أن مونديال 2030 انتقل بالفعل من مجال الرياضة إلى المجال السياسي داخل إسبانيا. وعندما يصبح أكثر من ثمانية إسبان من كل عشرة رافضين لتقاسم تنظيم البطولة مع المغرب، فإن مسألة كانت قبل أشهر تبدو محسومة ومحصنة بالتوافق السياسي قد تصبح عبئا انتخابيا على الحكومة التي تدافع عنها.

وتزداد أهمية ذلك لأن إسبانيا تتجه إلى سنة انتخابية، ولأن أزمة سبتة بدأت بالفعل تؤثر في التوازنات الداخلية. فالاستطلاع نفسه وضع الحزب الاشتراكي في أسوأ تقدير له خلال الولاية الحالية، عند 25.4 في المائة و101 مقعد، بينما منح الحزب الشعبي وVox معا 204 مقاعد، أي أغلبية مريحة في مجلس النواب.

وهنا تبدأ فرضية تستحق الاختبار.

إذا استمر التوتر حول سبتة ومليلية، وإذا أصبح تنظيم مونديال 2030 إلى جانب المغرب رمزا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإسباني لسياسة تعتبرها متساهلة مع الرباط، فقد يصبح الانسحاب أو المطالبة بإعادة النظر في صيغة التنظيم ورقة سياسية داخل إسبانيا نفسها. وما يبدو اليوم احتمالا بعيدا قد يصبح مختلفا تماما إذا وصلت إلى الحكم أغلبية تجعل التشدد تجاه المغرب جزءً من برنامجها السياسي.

لن يكون الانسحاب الإسباني، إذا حدث، قرارا رياضيا. بل إنه سيكون، بالتأكيد، قرارا سياسيا ذا كلفة رياضية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة، ولذلك ينبغي عدم التعامل معه باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحا. لكنه لم يعد سيناريو يمكن استبعاده باعتباره خيالا محضا بعد أن أصبح رفض التنظيم مع المغرب موقف 84.4 في المائة من عينة استطلاع وطني.

ثم تأتي البرتغال. فالملف الذي أقرته الفيفا ليس تجميعا لثلاثة ملفات وطنية منفصلة، وإنما هو ترشيح مشترك قدمته اتحادات المغرب والبرتغال وإسبانيا واختاره مؤتمر الفيفا في ديسمبر 2024 كوحدة واحدة لاستضافة 101 مباراة، بعد تخصيص ثلاث مباريات احتفالية للمئوية في الأوروغواي والأرجنتين والباراغواي.

لذلك فإن انسحاب إسبانيا، إن وقع، لن يحول البطولة آليا إلى المغرب والبرتغال، كما أن انسحاب البرتغال بعدها لن يمنح المغرب البطولة تلقائيا. بل ستكون الفيفا مضطرة إلى إعادة النظر في الترتيبات التنظيمية والتأكد من أن الصيغة الجديدة تستطيع الوفاء بالالتزامات التي مُنح على أساسها حق الاستضافة.

لكن المشكل البرتغالي سيكون مختلفا عن المشكل الإسباني. فالبرتغال تقدم في الملف الحالي ثلاثة ملاعب فقط، بينما يوجد الثقل الأساسي للمشروع الأوروبي في إسبانيا. وإذا انسحبت مدريد، ستتغير فلسفة الملف نفسها. وقد تجد لشبونة أن الاستمرار في مشروع ثنائي جديد مع المغرب يفرض إعادة توزيع واسعة للمباريات والأعباء والاستثمارات لم تكن جزءً من حساباتها الأصلية.

عند تلك النقطة قد يظهر السيناريو الذي يبدو اليوم الأكثر جرأة: أن يصبح المغرب آخر طرف راغب في الحفاظ على مونديال 2030، وأن يطلب استكمال المشروع منفردا.

تقنيا، سيكون ذلك تحديا ضخما، لكنه ليس فكرة بلا أساس. فالملف المشترك الحالي يعتمد على ستة ملاعب مغربية في أكادير والدار البيضاء وفاس ومراكش والرباط وطنجة، في مقابل ثلاثة ملاعب برتغالية وعدد أكبر بكثير من الملاعب الإسبانية. والمغرب يبني في بنسليمان ملعب الحسن الثاني بسعة مخططة تصل إلى 115 ألف متفرج، وهو المشروع الذي وضعه فعليا في منافسة مع مدريد وبرشلونة على استضافة المباراة النهائية.

ستة ملاعب لا تكفي لتنظيم بطولة بهذا الحجم منفردا. لكن المغرب سبق أن قدم للفيفا سنة 2018 ملفا مستقلا لتنظيم مونديال 2026 يقترح 14 ملعبا موزعة على 12 مدينة. وضمت الخريطة إلى جانب المدن الموجودة اليوم مدنا مثل وجدة وتطوان والناظور ومكناس والجديدة وورزازات، وكانت الفيفا قد درست آنذاك أيضا المطارات والفنادق وشبكات النقل المرتبطة بهذه المدن.

الفرق أن المغرب الذي قدم ملف 2026 ليس هو المغرب الذي سيصل إلى 2030. ذلك أن جزء كبيرا من البنية الرياضية التي كانت سنة 2018 مجرد مشاريع أصبح اليوم قائما أو في طور الإنجاز: شبكة القطار فائق السرعة تتوسع، والمطارات تشهد برامج توسعة كبيرة، والطرق السيارة والبنيات الحضرية والفندقية تعرف استثمارات مرتبطة أصلا بكأس العالم، أي أن التحول إلى تنظيم منفرد لن يبدأ من الصفر، وإنما سيحتاج إلى توسيع برنامج قائم بالفعل.

وسيكون التحدي الأكبر هو الوقت. فالانسحاب المتأخر لإسبانيا والبرتغال، إن حدث، سيترك للمغرب مدة قصيرة لإضافة ملاعب ومدن وتجهيزات إلى المنظومة الحالية. وسيحتاج الأمر إلى تحويل عدد من المنشآت إلى معايير كأس العالم، وربما إعادة إحياء بعض المشاريع التي ظهرت في ملف 2026، فضلا عن مضاعفة الطاقة المخصصة للتدريب والإقامة والنقل والأمن والتنظيم.

لكن هناك أيضا جانبا آخر للحساب لا يقل أهمية عن الكلفة. فالتنظيم المشترك يعني أن الاستثمارات المغربية ستخدم جزءً من البطولة، وأن جزءا كبيرا من الإنفاق السياحي والإشهاري والاقتصادي المرتبط بالمباريات سيذهب إلى إسبانيا والبرتغال. أما التنظيم المنفرد فيعني أن ما يقارب كامل النشاط الأوروبي الإفريقي للبطولة، باستثناء مباريات المئوية الثلاث في أمريكا الجنوبية، سيتحول إلى المغرب.

وإذا ما حدث هذا بالفعل فسيكون أكبر تدفق رياضي وسياحي وإعلامي عرفته البلاد، وستتضاعف قيمة الملاعب والمطارات والقطارات والفنادق التي يجري الاستثمار فيها حاليا. وستتحول عشرات المدن، لا ست مدن فقط، إلى مرشحة للاستفادة من الأثر الاقتصادي للبطولة.

والأهم أن الأثر الرمزي سيكون أكبر من ذلك كله. فالمغرب حاول تنظيم كأس العالم منفردا خمس مرات قبل أن يختار في النهاية الطريق المشترك للوصول إلى مونديال 2030. واستضافة البطولة منفردا ستضعه في موقع مختلف تماما: أول دولة في شمال إفريقيا تستضيف كأس العالم، وثاني دولة إفريقية بعد جنوب إفريقيا، وأول بلد عربي وإفريقي ينظم النسخة الموسعة من البطولة بهذا الحجم.

ومن هنا يصبح من المشروع قراءة الأزمة الإسبانية المغربية من زاوية إضافية، ولكن من دون الوقوع في إغراء نظرية المؤامرة.

بالطبع، لا يوجد حتى الآن أي دليل يثبت أن المغرب يسعى إلى التصعيد في ملف سبتة ومليلية. ولا توجد إشارة رسمية مغربية إلى الرغبة في تغيير صيغة التنظيم المشترك. بل إن كل الالتزامات القائمة حاليا تسير في الاتجاه المعاكس. ورفض التنظيم المشترك يأتي، أكثر من ذلك، من إسبانيا لا من المغرب مثله مثل كل إشارات وأفعال التصعيد.

ومع ذلك فإن التحليل الاستراتيجي لا يقتصر على البحث عن النوايا المعلنة. بل هو يهتم أيضا بالحوافز والفرص والنتائج التي يمكن أن تنتج عن الأحداث حتى لو لم تكن هدفها الأصلي.

والواقع الجديد الذي كشفه استطلاع Sigma Dos بسيط ودال: مشروع كان إلى وقت قريب رمزا للتعاون المغربي الإسباني أصبح مرفوضا لدى 84.4 في المائة من المستجوبين الإسبان في أعقاب أزمة سبتة.

إذا كان هذا مجرد انفعال عابر، فسيتراجع مع تراجع الأزمة وسيستمر مونديال 2030 كما خُطط له. أما إذا تحول الأمر إلى اتجاه سياسي مستقر، وترافق مع استمرار النزاع حول سبتة ومليلية وتغير السلطة في مدريد، فقد تبدأ الحسابات بالتغير.

وعندها لن يكون السؤال الأهم هو لماذا انسحبت إسبانيا، وإنما من يستطيع الاستمرار بعد انسحابها. وفي هذه الحالة فإن المغرب سيكون هو الطرف الذي أنفق بالفعل، وبنى بالفعل، ويملك أكبر حافز سياسي واقتصادي ورمزي للوصول إلى 2030 مهما تغيرت الظروف. وقد يتحول ما بدأ كأزمة عند بوابة سبتة، في سيناريو لا يزال افتراضيا لكنه لم يعد مستحيلا، إلى الطريق الذي يجعل كأس العالم 2030 بطولة مغربية خالصة، وبامتياز!

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *