تواصل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمكناس توجيه الجزء الأكبر من تمويلاتها الجديدة نحو الإدماج الاقتصادي للشباب، ضمن برنامج يشمل أيضاً مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة ودعم الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة. ويكشف توزيع المشاريع المعتمدة مطلع أكتوبر 2026 أن الرهان لم يعد مقتصراً على تمويل المبادرات الاقتصادية الصغيرة، بل يشمل مجموعة من التدخلات الاجتماعية التي يُفترض أن تساعد على تحسين شروط الإدماج والتنمية المحلية.

فقد صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية بعمالة مكناس، خلال اجتماعها المنعقد في فاتح أكتوبر 2026، على 37 مشروعاً وعملية إضافية بغلاف مالي إجمالي يبلغ نحو 4.75 ملايين درهم، تساهم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تمويل 87 في المائة منه، لفائدة 514 مستفيداً ومستفيدة.
وتبرز داخل هذه الحزمة مكانة البرنامج المتعلق بتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، الذي استحوذ على 34 مشروعاً، بغلاف مالي يناهز 3.74 ملايين درهم، لفائدة 68 شخصاً. وتمثل هذه المشاريع أكثر من 71 في المائة من مجموع العمليات المعتمدة، ونحو 79 في المائة من التمويل الإجمالي.
وتعني هذه الأرقام أن الاهتمام بالمبادرة الاقتصادية الفردية والجماعية ما زال يشكل المحور الرئيسي للتمويل الجديد. غير أن محدودية عدد المستفيدين المباشرين من المشاريع الاقتصادية، مقارنة بالعدد الإجمالي للمستفيدين من البرامج الثلاثة، تعكس اختلاف طبيعة التدخلات، بين دعم مشاريع تتطلب تمويلاً فردياً أكبر وعمليات اجتماعية تستهدف مجموعات أوسع. ذلك أن اللجنة صادقت أيضاً على عملية لمواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة بقيمة 50 ألف درهم، موجهة إلى 200 مستفيدة، وعلى مشروعين لدعم الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، بغلاف مالي يبلغ 970 ألف درهم، يستهدفان 246 مستفيداً ومستفيدة.
ويشير هذا التوزيع إلى أن التنمية البشرية في مكناس تجمع بين ثلاثة مسارات متكاملة: مساعدة الشباب على إنشاء أنشطة مدرة للدخل، وتقديم خدمات للفئات التي تواجه أوضاعاً اجتماعية صعبة، والاستثمار في قدرات الأجيال الصاعدة. غير أن الجمع بينها داخل مخطط واحد لا يعني بالضرورة أن آثارها الاقتصادية والاجتماعية متساوية، لأن لكل برنامج طبيعة مختلفة من حيث التمويل والمستفيدين والأهداف.
ولعل العودة إلى سنة 2025 تساعد على فهم استمرارية هذا التوجه. ففي أكتوبر من تلك السنة، صادقت اللجنة الإقليمية على 43 مشروعاً لدعم ريادة الأعمال لدى الشباب، بقيمة تقارب 4.5 ملايين درهم، ساهمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تمويل أكثر من 3.5 ملايين منها. وكانت المشاريع موزعة بين أنشطة متنوعة، من بينها الصناعة التقليدية والتجارة والصناعة والرياضة.
وبحسب المعطيات المعلنة آنذاك، بلغ مجموع المشاريع المعتمدة ضمن محور ريادة الأعمال خلال سنة 2025 ما مجموعه 144 مشروعاً، بغلاف مالي يقارب 14.2 مليون درهم. ويمثل هذا الرقم حصيلة سنوية أوسع من دفعة المشاريع التي تمت المصادقة عليها في أكتوبر وحده.
ولهذا فإن المقارنة بين الحزمتين تتطلب الحذر. فمشاريع أكتوبر 2025 كانت مخصصة لريادة الأعمال، بينما تجمع حزمة أكتوبر 2026 بين ثلاثة برامج مختلفة. كما أن عدد المشاريع المصادق عليها أو حجم المبالغ المرصودة لا يكفي وحده للحكم على تطور التشغيل أو نجاح المقاولات المستفيدة. بمعنى آخر، يمكن للتمويل أن يوفر شروط انطلاق النشاط الاقتصادي، لكنه لا يضمن استمراره أو قدرته على توليد دخل منتظم. وتتوقف هذه النتيجة على عوامل أخرى، من بينها طبيعة المشروع، وكفاءة صاحبه، وقدرته على الوصول إلى السوق، وجودة المواكبة التي يحصل عليها بعد الاستفادة من الدعم.
ومن هنا تبرز أهمية التتبع والتقييم، اللذين شددت عليهما السلطات الإقليمية خلال اجتماعات المصادقة. فالمؤشر الأكثر دلالة على فعالية البرنامج لا يتمثل فقط في عدد الملفات التي نالت الموافقة، وإنما في نسبة المشاريع التي انتقلت إلى التنفيذ، واستمرت في النشاط، ونجحت في تحسين مداخيل أصحابها أو إحداث فرص شغل إضافية.
والواقع أن المعطيات المنشورة لا تسمح حتى الآن بتحديد هذه النتائج. فهي تقدم أعداد المشاريع والمستفيدين والاعتمادات المالية، لكنها لا تكشف بصورة كافية عن نسب الإنجاز أو التوزيع الترابي للمبادرات بين أحياء مكناس والمجالات الأخرى التابعة للعمالة، ولا عن معدلات استمرار المقاولات التي استفادت من التمويل خلال السنوات السابقة.
والنتيجة أن مكناس تواصل الاستثمار في الإدماج الاقتصادي للشباب، ضمن مقاربة تنموية أوسع تشمل فئات اجتماعية متعددة. لكن قياس الأثر الحقيقي لهذه الاستثمارات يقتضي الانتقال من إحصاء المشاريع الممولة إلى تتبع مصيرها الاقتصادي والاجتماعي، لأن القيمة النهائية للدعم لا تتحدد عند المصادقة عليه، بل بما يستطيع تحقيقه بعد دخوله حيز التنفيذ.
