لا تحتاج أزمور إلى كثير من الخيال لكي تبدو مدينة سياحية. فهي مدينة تاريخية على ضفة أم الربيع، عند مصبه في المحيط الأطلسي، وتبعد بنحو 72 كيلومترا فقط عن الدار البيضاء وحوالي 15 كيلومترا عن الجديدة. داخلها مدينة عتيقة، وأسوار، وقصبة، وملاح، وآثار للحضور البرتغالي، وتراث يهودي. وحولها نهر ومصب وشاطئ وغابة، وعلى مقربة منها منتجعات سياحية وملاعب غولف ومعرض محمد السادس. ومع ذلك، لا تظهر أزمور اليوم في الخريطة السياحية المغربية بالحجم الذي تسمح به هذه المقومات.

المفارقة هنا ليست في غياب عناصر الجذب، بل في عدم تحولها إلى منتج سياحي متكامل. وذلك على الرغم من أن المجلس الجهوي للسياحة بالدار البيضاء-سطات يقدم أزمور بالفعل باعتبارها مدينة للزيارة، ويبرز مدينتها العتيقة والقصبة والملاح والأسوار والإرث اليهودي والفن المعاصر والجداريات التي أصبحت جزءً من صورتها الثقافية. كما أن المدينة تتمتع بموقع يصعب اعتباره هامشيا. فهي قريبة من أكبر تجمع حضري في المغرب، وتقع مباشرة شمال الجديدة، وترتبط بالمجال السياحي الممتد نحو الحوزية والمنتجعات الساحلية.
ولا يتعلق الأمر بمدينة صغيرة تختفي خارج التخطيط الجهوي. فالمخطط الجهوي لإعداد التراب لجهة الدار البيضاء-سطات يدرج أزمور ضمن أحد فضاءات المشروع المخصصة للتنمية السياحية والانفتاح الدولي، إلى جانب الجديدة والحوزية ومولاي عبد الله وبوزنيقة، أي أن القيمة السياحية للموقع معترف بها على مستوى التخطيط الاستراتيجي نفسه.
كما أن أزمور ليست مدينة تعرف انفجارا ديموغرافيا يضغط على مجالها إلى درجة يصعب معها التفكير في إعادة تنظيمه سياحيا. فقد بلغ عدد سكانها 42.098 نسمة في إحصاء 2024 مقابل 40.920 سنة 2014، أي بنمو سنوي متوسط لا يتجاوز نحو 0.28 في المائة خلال عشر سنوات. وهذا الاستقرار النسبي يمنحها، نظريا، فرصة أكبر لإعادة ترتيب وظائفها الحضرية وتثمين فضاءاتها التاريخية والطبيعية.
لكن قوة أزمور الحقيقية توجد في اجتماع عناصر متعددة داخل مجال صغير جدا. فالمدينة العتيقة تستطيع وحدها أن تشكل نواة منتج سياحي ثقافي. وأسوارها وممراتها ومنازلها التقليدية وآثار الحضور البرتغالي والملاح والذاكرة اليهودية والفن المعاصر تمنحها شخصية مختلفة عن كثير من المدن التاريخية الأخرى. ومن أعلى الأسوار، لا ينتهي المشهد عند المدينة نفسها، بل إنه ينفتح مباشرة على أم الربيع، وهو عنصر طبيعي يمكن أن يصبح امتدادا للتجربة التاريخية بدل أن يظل مجرد خلفية بصرية.
ثم يأتي النهر. وأم الربيع ليس مجرد مجرى مائي يمر بجانب أزمور. بل إنه واحد من أهم الأصول التي يمكن أن تعيد تشكيل علاقتها بالسياحة. وفي فبراير 2026 استعادت مياه النهر تدفقها الطبيعي نحو المحيط بعد أن تمكنت من اختراق الحاجز الرملي الذي ظل يغلق المصب خلال سنوات من الجفاف وتراكم الرمال. وقد أعاد ذلك الحياة إلى مشهد بيئي ظل تدهوره لسنوات مصدر قلق للسكان والمهتمين بالمنطقة.
بالنسبة لمدينة سياحية، يمكن أن تصبح هذه الواجهة النهرية مجالا للمشي والترفيه والمقاهي والمطاعم والرياضات الخفيفة والأنشطة المرتبطة بالماء، ويمكن ربطها بمسار يمتد من المدينة العتيقة إلى المصب ثم إلى الحوزية والشاطئ والغابة. وهنا تظهر واحدة من أهم الفرص التي لا تستثمرها أزمور بعدُ بالكامل. وهي إمكانية تقديم تجربة تجمع في يوم واحد، أو في إقامة قصيرة، بين التاريخ والطبيعة والبحر والنهر.
فالسائح يمكن نظريا أن يبدأ صباحه داخل المدينة العتيقة، ويتناول الغداء على ضفة أم الربيع، ثم ينتقل في المساء عبر مسار طبيعي نحو المصب أو الحوزية. ويمكن أن تضاف إلى ذلك أنشطة الدراجات والمشي والجولات النهرية والزيارات الثقافية والفنية.
وهذه كلها ليست عناصر منفصلة جغرافيا بمئات الكيلومترات، وإنما هي موجودة داخل نطاق محدود يمكن تنظيمه في مسار سياحي واحد. وتتمتع بميزة إضافية: السياح موجودون أصلا بالقرب منها.فعلى بعد مسافة قصيرة توجد الجديدة، والحوزية، ومنتجعات سياحية كبرى، وملاعب للغولف. وهذا يعني أن المدينة ليست مطالبة بالبدء من الصفر لجذب حركة سياحية إلى المنطقة. بل هناك بالفعل زوار يصلون إلى محيطها، لكن التحدي يكمن في تحويل أزمور من نقطة يمكن المرور بها إلى سبب يدفع الزائر إلى الدخول إليها والبقاء فيها.
وهنا تحديدا تظهر الحلقة الأضعف: الإقامة والخدمات. فالوجهة السياحية لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يلتقطون صورا داخلها، بل أيضا بقدرتها على الاحتفاظ بهم لساعات أطول، ثم ليلة أو ليلتين، وجعلهم يستهلكون خدمات محلية. وكلما نام السائح خارج أزمور، وأكل خارجها، وقضى معظم وقت فراغه خارجها، خرج جزء كبير من القيمة الاقتصادية للسياحة من المدينة معه.
ولا تبدو الطاقة الإيوائية داخل أزمور نفسها، مقارنة بمحيطها، في مستوى مدينة تطمح إلى التحول إلى وجهة كبرى. بالفعل، توجد رياض وبيوت ضيافة وبعض عروض الإقامة، لكن المدينة لم تتحول بعد إلى قطب فندقي قادر على بناء سوق إقامة مستقلة عن الجديدة والحوزية والمنتجعات المجاورة. وهذا يفسر جزء من المفارقة: أزمور يمكن زيارتها، لكن لم يتم بعدُ بناءُ سبب قوي بما يكفي للإقامة فيها.
والأمر نفسه ينطبق على الخدمات السياحية. فحتى أفضل مدينة تاريخية تفقد جزءً من قدرتها على جذب الزائر إذا لم يجد مسارات واضحة، ومعلومات سهلة، ومطاعم جيدة، ومقاهي مطلة، ومرشدين، وتجارب منظمة، ونقلا مريحا، ونظافة منتظمة، وبرنامجا يمكن شراؤه أو حجزه بسهولة.
إن السائح لا يشتري المآثر فقط. بل إنه يشتري تجربة كاملة. والمشكلة في أزمور هي أن عناصر هذه التجربة موجودة، لكن كل عنصر يبدو وكأنه يعيش منفصلا عن الآخر.
