جنوب شرق الدار البيضاء يختبر جاهزية شبكات التطهير

تدخل أحياء جنوب شرق الدار البيضاء موسم الأمطار بعد عمليات واسعة لتنظيف شبكات التطهير السائل، شملت منذ بداية سنة 2026 أكثر من عشرين ألف بالوعة، وما يزيد على 165 كيلومترًا من القنوات، وأسفرت عن استخراج 3445 طنًا من الترسبات والمخلفات. وهي حصيلة تعكس حجم التدخلات المنجزة، لكنها تضع جاهزية الشبكات أمام اختبار لا يتعلق بعدد عمليات التنظيف وحده، وإنما بقدرتها الفعلية على تصريف مياه الأمطار وحماية الأحياء من الفيضانات.

وتهم هذه العمليات المجال الترابي الذي تغطيه المديرية الإقليمية للشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات، والذي يشمل مقاطعات ابن مسيك وسيدي عثمان ومولاي رشيد. وتتميز هذه المناطق بكثافة سكانية مهمة، وتضم أحياء قديمة وتجمعات عمرانية متوسعة، مما يجعل صيانة شبكات التطهير أحد الشروط الأساسية لضمان سلامة المساكن واستمرار حركة السير والخدمات العمومية خلال فترات التساقطات المطرية.

وبحسب المعطيات التي أعلنتها الشركة، يبلغ طول شبكة التطهير السائل في هذا المجال نحو 580 كيلومترًا. وحتى منتصف أكتوبر 2026، أنجزت الفرق التقنية عمليات تنقية هيدروليكية لأكثر من 165 كيلومترًا من القنوات، إلى جانب تنظيف ما يزيد على عشرين ألف بالوعة ومنشأة لتصريف المياه. كما أسفرت التدخلات عن استخراج 1635 طنًا من الترسبات بواسطة التنظيف اليدوي، و1810 أطنان بواسطة التنظيف الهيدروليكي.

غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجمها، وإنما في الأسئلة التي تثيرها بشأن حالة الشبكة ونجاعة عمليات الصيانة. ذلك أن تنظيف عشرين ألف بالوعة لا يكشف، في حد ذاته، عن نسبة المنشآت التي أصبحت جاهزة لاستقبال مياه الأمطار، ما لم نعرف العدد الإجمالي للبالوعات وحالتها التقنية ومدى تكرار التدخلات في المواقع نفسها.

وينطبق الأمر ذاته على القنوات التي خضعت للتنقية. فرغم أن طولها يتجاوز ربع الطول الإجمالي المعلن للشبكة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة معالجة ربع الشبكة معالجة شاملة، لأن بعض المقاطع قد تكون خضعت لعمليات متكررة، بينما تحتاج مقاطع أخرى إلى تدخلات مختلفة تتجاوز التنظيف الدوري.

وقد انتقلت عمليات الصيانة خلال أكتوبر إلى مواقع محددة داخل الأحياء. ففي الثالث والعشرين من الشهر، انطلقت تدخلات ميدانية بمنطقة الهراويين الشمالية، شملت دواوير أولاد العربي وأولاد زهرة وبوسلهام الشيخ وبعيز وخربوش، باستعمال شاحنات الضغط المائي وتقنيات المراقبة بالكاميرات والتنظيف اليدوي. كما تواصلت التدخلات يوم الثامن والعشرين من أكتوبر بأحياء المجموعة الأولى في مولاي رشيد.

وتكتسي هذه العمليات أهمية خاصة لأنها تتيح الانتقال من الحصيلة الإجمالية إلى متابعة وضعية الشبكات داخل الأحياء. فالسكان لا يقيسون جودة خدمات التطهير بعدد الكيلومترات التي جرى تنظيفها على مستوى المديرية الإقليمية، وإنما بمدى تحسن تصريف المياه في الشوارع والأزقة القريبة من مساكنهم، وباختفاء الاختناقات التي قد تتكرر عند كل تساقطات قوية.

ولعل الكمية الكبيرة من الترسبات المستخرجة تكشف بدورها عن جانب آخر من التحدي. فاستخراج 3445 طنًا من المخلفات يمثل مجهودًا تقنيًا مهمًا لإزالة المواد التي تعيق انسياب المياه، لكنه يثير أيضًا سؤالًا بشأن مصادر هذه المواد وأسباب تراكمها داخل القنوات والبالوعات. ذلك أن نجاعة شبكة التطهير لا تتوقف على التنظيف وحده، بل ترتبط كذلك بحالة البنية التحتية، وقدرتها الاستيعابية، وطبيعة التوسع العمراني، وتدبير النفايات ومخلفات الأوراش، فضلًا عن سلوكيات التخلص من المواد الصلبة التي قد تصل إلى منشآت التصريف. ولهذا فإن الصيانة الوقائية تظل ضرورية، لكنها لا تعوض معالجة الاختلالات البنيوية متى ثبت وجودها.

وعلى المستوى الجهوي، أعلنت الشركة الجهوية متعددة الخدمات أن عمليات الصيانة المنجزة بين شتنبر 2025 ونهاية غشت 2026 شملت التنقية الهيدروليكية لأكثر من 3167 كيلومترًا من الشبكات، وتنظيف ما يزيد على 293 ألف بالوعة ومنشأة، واستخراج نحو 38 ألفًا و200 طن من المخلفات. وتبرز هذه المعطيات اتساع عمليات الصيانة على مستوى الجهة، مع ضرورة التمييز بينها وبين حصيلة جنوب شرق الدار البيضاء، لاختلاف المجال الترابي والفترة الزمنية المعتمدين في كل منهما.

ومع ذلك، فإن تقييم جاهزية الشبكات يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز حجم الأشغال المنجزة. ومن بين هذه المؤشرات عدد النقط التي تعرف تجمعًا متكررًا للمياه، ونسبة الاختناقات التي جرت معالجتها نهائيًا، ومدة التدخل عند وقوع انسداد، ومدى قدرة المنشآت على استيعاب التساقطات المطرية القوية.

كما أن نشر حصيلة مفصلة بحسب المقاطعات والأحياء سيسمح بتحديد المناطق التي استفادت من التدخلات، ومقارنتها بالمواقع التي ما تزال في حاجة إلى صيانة أو تأهيل. وبذلك تتحول الأرقام الإجمالية إلى أداة لتقييم جودة الخدمة وتوجيه الموارد نحو الحاجيات الفعلية للسكان.

إن جنوب شرق الدار البيضاء يدخل موسم الأمطار بعد تعبئة تقنية واسعة شملت مئات التدخلات وآلاف الأطنان من الترسبات المستخرجة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التعبئة ستتحدد بنتائجها الميدانية، لا بحجمها المعلن وحده. فالرهان، في نهاية المطاف، ليس تنظيف أكبر عدد ممكن من البالوعات والقنوات، وإنما ضمان قيامها بوظيفتها عندما تتساقط الأمطار. والنتيجة أن جاهزية شبكات التطهير لا تقاس فقط بما أُخرج منها خلال عمليات الصيانة، بل بما ستتمكن من تصريفه عندما يحين الاختبار.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *