سجلت مدن مغربية متفرقة ،خلال الفترة الممتدة بين 2 و4 أكتوبر، حرائق في فضاءات مختلفة، من سوق باب عبد الوهاب بوجدة إلى قيسارية القدس بتيزنيت، مرورا بمطرح عشوائي للمخلفات الفلاحية بأيت ملول، وصولا إلى حريق ببني ملال الذي خلَّف وفاة امرأة.

ولا توجد معطيات تسمح بالقول إن هذه الوقائع مترابطة أو ناتجة عن سبب واحد، غير أن تقاربها الزمني يعيد إلى الواجهة مسألة السلامة الوقائية في الأسواق والمرافق والفضاءات التي تعرف كثافة في النشاط أو تخزين مواد قابلة للاشتعال.
ففي وجدة، دمر حريق سوق باب عبد الوهاب ستة محلات تجارية بالكامل، واستدعى استخدام سبع آليات للإطفاء للسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى باقي السوق. أما في تيزنيت، فقد طالت الأضرار، وفق المعطيات الأولية المنشورة، نحو 150 محلا داخل قيسارية القدس، فيما تحدث متضررون عن خسائر مالية كبيرة. وفي الحالتين ظل تحديد السبب النهائي رهينا بنتائج التحقيقات، رغم تداول فرضيات مرتبطة بالأعطاب الكهربائية أو بطبيعة المواد الموجودة داخل الفضاءات التجارية.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية أكبر عندما توضع في سياق حجم تدخلات الوقاية المدنية على المستوى الوطني. فوفق معطيات رسمية منشورة في تقارير مرتبطة بقانون المالية، نفذت مصالح الوقاية المدنية خلال سنة 2023 ما مجموعه 642 ألفا و241 تدخلا، بمعدل يقارب 1760 تدخلا يوميا. وكان عدد التدخلات خلال سنة 2022 قد بلغ 592 ألفا و334 تدخلا، بما يعني ارتفاعا يفوق 8 في المائة خلال سنة واحدة. وتشمل هذه الأرقام مختلف أنواع التدخلات ولا تقتصر على الحرائق، لكنها تعكس حجم الضغط الذي تواجهه منظومة الحماية والسلامة.
غير أن كثرة التدخلات لا تجيب وحدها عن سؤال الوقاية. فالتحدي الحقيقي يبدأ قبل وصول سيارات الإطفاء: سلامة الشبكات الكهربائية، قابلية المواد المخزنة للاشتعال، وجود مخارج للنجدة، سهولة ولوج فرق الإنقاذ، احترام شروط التخزين، مراقبة التجهيزات، وتحيين تقييم المخاطر داخل الأسواق والمرافق المفتوحة للعموم.
ويمنح القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات للسلطات المحلية والجماعات الترابية اختصاصات في مجال الشرطة الإدارية والحفاظ على السلامة والسكينة ومراقبة عدد من الأنشطة والمرافق. كما تضطلع الوقاية المدنية بأدوار تتعلق بتحليل الأخطار والمساهمة في لجان السلامة وإبداء الرأي في عدد من الملفات المرتبطة بالبنايات والتجهيزات. وهذا يعني أن السلامة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل نتيجة سلسلة من الوقاية والمراقبة والتنسيق والتدخل.
وتكشف حرائق الأسواق تحديدا عن هشاشة محتملة مرتبطة بطبيعة هذه الفضاءات. فهي غالبا ما تجمع في مساحة محدودة محلات صغيرة، ومواد قابلة للاحتراق، وتجهيزات كهربائية كثيفة، وممرات قد تكون ضيقة أو مكتظة. وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول عطب محدود إلى حريق واسع خلال دقائق، خصوصا إذا تأخر اكتشافه أو تعذر الوصول السريع إلى مصدره.
ولا تسمح المعطيات المتوفرة حتى الآن بالجزم بأن المغرب يشهد ارتفاعا استثنائيا في حرائق الأسواق والمرافق، لأن البيانات الوطنية المنشورة لا تقدم بصورة منتظمة تفصيلا دقيقا حسب نوع المنشأة أو سبب الحريق. وهذه في حد ذاتها فجوة مهمة؛ إذ أن بناء سياسة وقائية فعالة يحتاج إلى معرفة أين تقع الحرائق، وما أسبابها الأكثر تكرارا، وما أنواع المنشآت الأكثر تعرضا للخطر.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للوقائع المسجلة خلال الأيام الأخيرة لا تكمن فقط في حجم الخسائر التي خلفتها، بل في السؤال الذي تفرضه حول التعامل مع السلامة في الأسواق والمرافق باعتبارها منظومة وقائية مستمرة، أم باعتبارها استجابة تبدأ بعد اشتعال النار.
