الجزائر والإمارات: خبايا الصراع حول الساحل الإفريقي

جاء قرار الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، يوم أمس، بعد سنوات من التوتر المتدرج بين البلدين. و تحدث البيان الجزائري عن «أعمال استفزازية أو عدائية» من جانب أبي ظبي، من دون أن يقدم تفاصيل كثيرة. لكنْ، بعيدا عن اللغة الدبلوماسية، تبدو منطقة الساحل الإفريقي واحدة من أهم الساحات التي تساعد على فهم عمق الخلاف بين الطرفين.

فبالنسبة للجزائر، لا يمثل الساحل مجرد منطقة تقع جنوب حدودها. بل هو جزء من عمقها الأمني والاستراتيجي المباشر. وحدودها مع مالي والنيجر تمتد على مسافات واسعة، وبحكم ذلك فإن ما يحدث في شمال مالي أو في فضاءات الساحل يمكن أن ينعكس مباشرة على أمنها، من نشاط الجماعات المسلحة إلى التهريب والهجرة وتجارة السلاح.

لهذا بنت الجزائر خلال عقود موقعا خاصا لها في المنطقة، واعتمدت على الجوار والوساطة السياسية والأمنية لتكريس نفوذها. وكان اتفاق السلام والمصالحة في مالي، الموقع في الجزائر سنة 2015، أحد أبرز مظاهر هذا الدور. فقد قدمت الجزائر نفسها كوسيط رئيسي قادر على جمع الأطراف المتصارعة وإدارة التوازنات المعقدة في شمال مالي.

لكن هذه المكانة بدأت تتعرض للاهتزاز خلال السنوات الأخيرة. ففي يناير 2024 أعلنت السلطات المالية إنهاء اتفاق الجزائر، واتهمت الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية. وبذلك وجدت الجزائر نفسها أمام واقع جديد. فالدولة التي كانت تنظر إلى مالي باعتبارها مجالا طبيعيا لنفوذها أصبحت تواجه شريكا أكثر استقلالا ورغبة في إعادة ترتيب علاقاته الخارجية.

في الوقت نفسه، تغير الساحل من الداخل. فقد أسست مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحالف دول الساحل، المعروف اختصارا بـAES، وبدأت الدول الثلاث في إعادة بناء علاقاتها الدولية خارج الأطر التقليدية. وهذا التحول جعل المنطقة أكثر انفتاحا على قوى جديدة قادرة على تقديم التمويل والاستثمار والمعدات والتعاون الأمني بسرعة ومرونة.

وكانت الإمارات العربية المتحدة واحدة من هذه القوى. ذلك أن الحضور الإماراتي في إفريقيا توسع بقوة خلال العقد الأخير. وبدلا من الاعتماد على الجغرافيا، كما تفعل الجزائر، تعتمد أبوظبي على مزيج من رأس المال، والاستثمار، والطاقة، والمعادن، والعلاقات المباشرة مع الحكومات، والتعاون الأمني.

هذه الأدوات تمنح الإمارات قدرة على بناء النفوذ حتى في مناطق بعيدة عنها جغرافيا. وقد أصبحت شريكا أمنيا واقتصاديا لعدد من الدول الإفريقية، ومنها دول في الساحل. كما قدمت دعما لمبادرات أمنية إقليمية، ووسعت علاقاتها مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في ملفات تشمل التنمية والطاقة والتعليم والاستثمار.

ومنذ البداية ظهر الفرق واضحاً بين البلدين. فالجزائر تتحرك في الساحل من موقع الجار الذي يملك الحدود والخبرة الأمنية والتاريخ السياسي والوساطة. أما الإمارات فتدخل من موقع القوة المالية القادرة على تحويل الاستثمار والتمويل والشراكات الاقتصادية إلى نفوذ سياسي متزايد.

وهذا الاختلاف في الأدوات لا يمنع التنافس، بل ربما يجعله أكثر حدة. فالساحل لم يعد مجرد منطقة أزمات أمنية. بل صار أيضا فضاء غنيا بالذهب والمعادن والطاقة، ومجالا محتملا لمشاريع البنية التحتية والممرات التجارية وربط شمال إفريقيا بغربها. ولذلك أصبحت المنافسة عليه في جزء منها منافسة على اقتصاد المستقبل، لا على الأمن فقط.

والذهب مثال واضح على ذلك. فدولة مالي تعتبر واحدة من أبرز الدول المنتجة للذهب في إفريقيا، ويشكل القطاع مصدرا أساسيا للعملة الصعبة لديها. ومع اتجاه الحكومات الجديدة إلى إعادة التفاوض حول استغلال الموارد وفتح المجال أمام شركاء جدد، أصبحت المنطقة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال القادمة من خارج الدائرة التقليدية.

بالمقابل، يطرح هذا التحول مشكلة استراتيجية بالنسبة للجزائر. فهي لا تواجه فقط وجود دولة أخرى في محيطها الجنوبي، بل تواجه تغيرا في قواعد النفوذ نفسها. لقد كانت الجغرافيا تمنحها، في الماضي، أفضلية شبه تلقائية. أما اليوم، فقد يصبح المستثمر أو الممول أو الشريك الأمني البعيد أكثر تأثيرا من الجار إذا استطاع تقديم ما تحتاجه الحكومات بسرعة: المال، والمشاريع، والمعدات، والطاقة.

ومع ذلك، لا تعني هذه الصورة أن الجزائر خرجت من اللعبة. بل إن الجغرافيا ما تزال تمنحها وزنا كبيرا، وحدودها الطويلة مع مالي والنيجر تجعل استقرار الساحل مسألة أمن قومي بشكل مباشر. كما تملك خبرة طويلة في التعامل مع الحركات المسلحة والقبائل وشبكات النفوذ السياسية في المنطقة.

ولذلك يبدو ما يجري أقرب إلى تنافس بين نموذجين لبناء النفوذ، حيث أن الجزائر تستند إلى الجغرافيا والأمن والوساطة والتاريخ السياسي، بينما تستند الإمارات إلى رأس المال والاستثمار والشراكات الاقتصادية والمرونة الدبلوماسية والتعاون الأمني.

أما دول الساحل نفسها، فهي ليست مجرد ساحة تتصارع القوى الخارجية فوق أرضها. بل إنها تحاول استغلال تعدد الشركاء لزيادة هامش استقلالها والحصول على أفضل الشروط في التمويل والاستثمار والأمن. ومن هذه الزاوية، تصبح القطيعة بين الجزائر والإمارات أكثر قابلية للفهم.

نعم، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن الصراع حول الساحل هو السبب الوحيد أو المباشر للقطيعة. لكن التنافس هناك يشكل بالتأكيد جزءً من خلفية أوسع، لعل أبرز عناصرها يتجلى في التراجع النسبي للنفوذ الجزائري التقليدي، والصعود الإماراتي اقتصاديا وأمنيا، علاوة على إعادة رسم قواعد اللعبة في منطقة كانت لسنوات تعتبر امتدادا طبيعيا للأمن الجزائري.

وباختصار شديد، فالساحل الإفريقي لم يعد فضاء مغلقا أمام نفوذ قوة واحدة. بل إنه قد تحول إلى سوق مفتوحة للنفوذ. ومن يملك القدرة على الجمع بين المال والأمن والاستثمار والسياسة سيملك موقعا أكبر في الخريطة الجديدة التي تتشكل جنوب الصحراء.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *