تواجه الأغلبية المسيرة لجماعة الدار البيضاء اختباراً جديداً لتماسكها، بعد أن انتقل الخلاف بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة من التجاذبات داخل المجلس الجماعي إلى التنافس على رئاسة “مجموعة الجماعات الترابية الدار البيضاء–سطات للتوزيع”. وهو تطور يكشف أن استمرار التحالف السياسي لا يعني بالضرورة استمرار التوافق بين مكوناته على توزيع المسؤوليات وتدبير المؤسسات المحلية.

ففي 29 أكتوبر 2026، انتُخب أحمد بريجة، المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجموعة الجماعات الترابية للتوزيع، خلفاً لنبيلة الرميلي، رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، التي استقالت من رئاسة المجموعة عقب انتخابها عضوة بمجلس النواب، بسبب المقتضيات القانونية المتعلقة بالتنافي بين المسؤوليات الانتدابية.
وحصل بريجة على 109 أصوات من أصل 110، بعد قرار التجمع الوطني للأحرار سحب ترشيح حليمة فكري، احتجاجاً على تقدم حليفه في الأغلبية بمرشح منافس. ولم يقتصر التحول على منصب الرئيس، إذ تشكل المكتب الجديد من ممثلين عن الأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دون تمثيلية للتجمع الوطني للأحرار.
وتكتسي هذه النتيجة أهمية سياسية تتجاوز هوية الرئيس الجديد. ذلك أن التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود مجلس جماعة الدار البيضاء من خلال نبيلة الرميلي، فقد رئاسة مؤسسة ترابية كان يتولاها، بينما تمكن الأصالة والمعاصرة من بناء أغلبية واسعة حول مرشحه، بمشاركة أحزاب لا تنتمي جميعها إلى التحالف الثلاثي المسير للجماعة.
بمعنى آخر، فقد أظهرت عملية انتخاب رئيس مجموعة التوزيع أن موازين القوى داخل المؤسسات الترابية لا تتطابق بالضرورة مع الترتيبات السياسية التي تحكم مجلس جماعة الدار البيضاء. ذلك أن حزباً ما قد يستطيع قيادة مؤسسة معينة، بينما يمتلك حليفه القدرة على تشكيل أغلبية مختلفة داخل مؤسسة أخرى.
ولعل ما يجعل هذه الواقعة أكثر دلالة هو توقيتها. ففي 22 أكتوبر، أي قبل أسبوع واحد من انتخاب بريجة، جدد ممثلو التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، خلال أشغال المجلس الجماعي، تأكيد استمرار تحالفهم إلى نهاية الولاية الانتدابية. وشارك بريجة نفسه في الدفاع عن تماسك الأغلبية، إلى جانب ممثلين عن الحزبين الآخرين.
غير أن انتخاب رئيس مجموعة التوزيع كشف، بعد أيام قليلة، حدود هذا التوافق. فقد اعتبر التجمع الوطني للأحرار تقديم مرشح منافس من داخل التحالف تحولاً عن الالتزامات السابقة، بينما مضى الأصالة والمعاصرة في ترشيح بريجة وحشد الدعم اللازم لانتخابه.
ولا يتعلق الأمر هنا بمؤسسة هامشية. فمجموعة الجماعات الترابية للتوزيع تضطلع بدور في مواكبة تدبير مرافق الماء والكهرباء والتطهير السائل على مستوى جهة الدار البيضاء–سطات. ولذلك فإن رئاستها تمنح صاحبها مسؤولية مؤسساتية مرتبطة بخدمات أساسية للسكان وبأوراش استثمارية كبرى.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الخلاف السياسي داخل المجموعة وبين تدبير الخدمات نفسها. فانتخاب رئيس جديد لا يعني تغيير الجهة المشغلة لشبكات التوزيع، كما أن الخلاف بين الأحزاب لا يثبت، في حد ذاته، وجود اضطراب في تزويد السكان بالماء أو الكهرباء أو في خدمات التطهير السائل.
والسؤال الأهم يتعلق بما يمكن أن يحدث داخل مجلس جماعة الدار البيضاء. فقد شهدت دورة أكتوبر توترات وتأجيلات في مناقشة بعض الملفات، قبل أن تؤكد مكونات الأغلبية استمرار تعاونها. وإذا كانت هذه الخلافات قد انتهت إلى تسويات داخل المجلس، فإن نتائج انتخاب مجموعة التوزيع تضع قدرة الأحزاب الثلاثة على الحفاظ على تلك التسويات أمام اختبار جديد. ذلك أن تدبير مدينة بحجم الدار البيضاء يتطلب توافقات متواصلة بشأن الميزانية والعقار والتعمير والنظافة والتنقل والمشاريع الاستثمارية. ولا يكفي أن تتفق الأحزاب على الاحتفاظ بمواقعها داخل الأغلبية إذا أصبحت عاجزة عن التوافق على القرارات التي تقتضيها إدارة هذه الملفات.
غير أنه يبقى من السابق لأوانه اعتبار ما وقع إعلاناً عن تفكك التحالف. فالأغلبية المسيرة للجماعة لم تعلن انتهاءها، ولم يثبت أن انتخاب بريجة أدى إلى فقدانها لقدرتها على تمرير القرارات داخل المجلس. كما أن مجموعة الجماعات الترابية للتوزيع ومجلس جماعة الدار البيضاء مؤسستان مختلفتان، لكل منهما اختصاصاتها وتركيبتها وآليات اتخاذ القرار فيها.
ولهذا فإن المؤشر الحقيقي على مستقبل التحالف لن يكون في التصريحات المتبادلة، وإنما في نتائج الدورات المقبلة للمجلس الجماعي، وفي طبيعة التصويت على الملفات الأساسية، ومدى استمرار التنسيق بين الأحزاب داخل المكتب والمقاطعات الست عشرة للعاصمة الاقتصادية.
والنتيجة أن أغلبية الدار البيضاء لم تفقد تماسكها المؤسسي المثبت حتى الآن، لكنها فقدت شيئاً من الانسجام السياسي الذي كانت تؤكد عليه. فقد أظهر انتخاب رئيس مجموعة التوزيع أن الاتفاق على الاستمرار في التحالف لا يمنع التنافس بين مكوناته على المسؤوليات والنفوذ.
وبين التنافس الحزبي ومتطلبات تدبير المدينة، سيكون الاختبار المقبل هو قدرة هذه الأغلبية على إبقاء خلافاتها السياسية خارج القرارات التي تمس مصالح سكان الدار البيضاء.
