أوقفت السلطات المغربية، خلال شتنبر الماضي، ثلاثة أشخاص في طنجة وأكادير ضمن عملية أوروبية استهدفت مشتبهًا فيهم يُنسب إليهم طلب أعمال عنف، وتجنيد منفذين، وتنسيق جرائم من خارج البلدان التي تقع فيها الاعتداءات. وجاءت هذه التوقيفات ضمن عملية OTF GRIMM التي أعلنت عنها يوروبول في 2 أكتوبر، وشملت أيضًا إسبانيا وفرنسا.

ولا تبدو هذه الوقائع معزولة عن مسار أوسع. ففي فاتح شتنبر، أوقفت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بطنجة مواطنًا سويديًا كان موضوع نشرة حمراء للإنتربول. وذلك للاشتباه في تورطه في الاتجار الدولي بالمخدرات والمؤثرات العقلية وحيازة أسلحة نارية أوتوماتيكية. وقدمت المعطيات الرسمية المنقولة عن الأمن الوطني العملية في إطار تفعيل آليات التعاون الأمني الدولي وملاحقة المطلوبين في قضايا الجريمة العابرة للحدود.
هذا التراكم لا يقتصر على توقيف المطلوبين فوق التراب المغربي. فقد شارك المغرب في عملية Phoenix التي نسقتها الإنتربول إلى جانب الجزائر والأردن وفلسطين وتونس، وأسفرت إقليميًا عن 48 توقيفًا، بينها ثمانية مطلوبين بموجب نشرات حمراء، وأكثر من 700 ألف عملية تحَقُّق في قواعد بيانات المنظمة نتج عنها 246 تطابقًا. وهذه أرقام تخص العملية في مجموع الدول المشاركة، لا المغرب وحده، لكنها تكشف اتساع العمل الأمني داخل شبكات متعددة الأطراف بدل الاقتصار على التعاون الثنائي.
وفي مجال الجريمة السيبرانية، شارك المغرب في عملية Ramz التي نسقتها الإنتربول في 13 دولة بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وأسفرت العملية إجمالًا عن توقيف 201 شخص وتحديد 382 مشتبهًا فيه و3867 ضحية، بينما حجزت السلطات المغربية حواسيب وهواتف وأقراصًا صلبة تحتوي على بيانات بنكية وبرامج تُستخدم في التصيد الإلكتروني، مع إحالة ثلاثة أشخاص إلى الإجراءات القضائية واستمرار التحقيق بشأن آخرين.
ويمتد الانخراط المغربي إلى ملفات أخرى، من الاحتيال المالي والهندسة الاجتماعية إلى تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر. فقد شارك المغرب في عملية First Light 2026 التي شملت 97 دولة وإقليمًا، وانتهت بأكثر من 5800 توقيف واعتراض نحو 293 مليون دولار من الأصول غير المشروعة. كما يشارك المغرب في مشروع Himaya للإنتربول، المخصص لشمال إفريقيا، والذي يركز على تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر وتبادل المعلومات وتحليل الشبكات الإجرامية ودعم العمليات المشتركة.
ولا يبدأ هذا المسار من العمليات الأخيرة فقط. فالمغرب عضو في الإنتربول منذ 1957، ويعمل مكتبه المركزي الوطني بالرباط على ربط أجهزة إنفاذ القانون المغربية بالشبكة الدولية I-24/7 وتبادل المعلومات والإنذارات والمشاركة في التحقيقات والتوقيفات ذات البعد العابر للحدود.
وخلال سنة 2025، استضافت مراكش الجمعية العامة الثالثة والتسعين للإنتربول بمشاركة أكثر من 800 مندوب من 179 بلدًا و82 قائد شرطة، واعتمد خلالها الإطار الاستراتيجي للمنظمة للفترة 2026-2030. كما يشغل مدير الشرطة القضائية المغربي محمد الدخيسي منصب نائب رئيس الإنتربول لإفريقيا، في وقت تشير فيه المنظمة إلى ارتفاع تبادل الملفات الشرطية من إفريقيا بنسبة 7 في المائة بين 2023 و2024، وارتفاع التنبيهات الإيجابية المرتبطة ببيانات إفريقية بنحو 60 في المائة خلال الفترة نفسها.
أما العلاقة مع يوروبول، فقد تطورت تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة. وتشير وثائق الوكالة إلى اتصالات مع المغرب منذ 2020 لتوسيع التعاون في الجريمة المنظمة والإرهاب والأمن الحدودي وتهريب المهاجرين والجريمة السيبرانية، ثم إلى استئناف قنوات اتصال مباشرة في 2022 وتقدم المفاوضات بشأن ترتيب عمل مشترك في 2023.
وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن حضور المغرب في مكافحة الجريمة العابرة للحدود لا يقتصر على الاستجابة لطلبات توقيف واردة من الخارج. فالمسار يتحرك على ثلاثة مستويات متوازية: تنفيذ توقيفات دولية داخل المغرب، المشاركة في عمليات متعددة الدول، والانخراط المتزايد في البنية المؤسسية لتبادل المعلومات والتحقيقات الشرطية.
ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للقول إن المغرب تحول إلى مركز دولي لمكافحة الجريمة المنظمة، لكنها تكفي بالتأكيد لإظهار اتساع حضوره العملي داخل منظومة أمنية عابرة للحدود، وهو حضور يصبح أكثر وضوحًا كلما تراكمت العمليات المشتركة والتوقيفات الدولية وقنوات تبادل المعلومات.
