بدأ المغرب ينتقل، ببطء ولكن بشكل قابل للرصد، من مرحلة استيراد التكنولوجيا واستعمالها داخل المصانع إلى مرحلة أكثر تقدما، تشمل تطوير جزء من المعرفة الصناعية محليا، ثم إدخالها إلى خطوط الإنتاج. ورغم أن الأمر لا يتعلق حتى الآن بتحول شامل، فإنه يظهر بوضوح في الصلب والسكك الحديدية والأتمتة وبعض عمليات الصناعة الفوسفاطية.

ولعل أقوى هذه الإشارات تأتي من صناعة الصلب. فقد شرع مركز «ARC-Métallurgie»، الذي يجمع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومغرب ستيل، في نقل أنواع جديدة من الفولاذ التقني جرى تطويرها بحثيا إلى خطوط الإنتاج في منطقة تيط مليل بضواحي الدار البيضاء. ولا تكمن أهمية هذه الخطوة فقط في إنتاج فولاذ أعلى قيمة، بل في أن البحث لم يعد منفصلا عن المصنع. ذلك أن بيانات الإنتاج تغذي التجارب والمحاكاة، ثم تعاد النتائج إلى الخط الصناعي في شكل خصائص ومواد وعمليات جديدة.
وهنا يكمن الفارق بين استعمال التكنولوجيا وإنتاج جزء منها. فالمصنع الذي يقتني آلة متطورة يرفع قدرته الإنتاجية، لكنه يظل معتمدا على التكنولوجيا التي صممها الآخرون. أما عندما يصبح قادرا على تطوير مادة أو عملية أو نظام إنتاج يناسب حاجاته، فإنه يبدأ في امتلاك جزء أكبر من القيمة الموجودة قبل السلعة نفسها، والتي تهم البحث، والهندسة، والاختبار، والمحاكاة، والتحكم في العملية الصناعية.
وربما يظهر التحول نفسه، بدرجة أقل تقدما، في قطاع السكك الحديدية. فالتعاون بين المكتب الوطني للسكك الحديدية و”دي بي سيستيم تكنيك “(DB Systemtechnik)، التابعة ل”دويتشه بان” الألمانية، يشمل الهندسة والصيانة والابتكار، بالتوازي مع برنامج واسع لتحديث الأسطول وبناء قدرات جديدة للصيانة والتشغيل.
والمعطى المهم هنا ليس توقيع اتفاق تعاون في حد ذاته، بل طبيعة المجال الذي ينتقل إليه الاستثمار. فالسكك الحديدية لم تعد تتطلب فقط شراء القطارات وبناء المحطات، بل أيضا قدرات محلية في الاختبار، والهندسة، والصيانة المتقدمة، وتحليل الأداء، وتأهيل الموردين. وإذا تحولت هذه الشراكات إلى برامج تنفيذ وتكوين ونقل فعلي للخبرة، فقد يصبح جزء من المعرفة التقنية السككية موجودا داخل المنظومة المغربية نفسها.
أما الإشارة الثالثة في هذا المنحى فإنها تأتي من الصناعة. فقد أُطلقت في الدار البيضاء «Smart Factory Academy Casablanca» باعتبارها منصة دائمة للتكوين والتجريب في الأتمتة والروبوتيك والذكاء الاصطناعي الصناعي وإنترنت الأشياء والصيانة الذكية.
طبعا، حتى الآن، لا تكفي هذه المبادرة للقول إن المغرب ينتج تكنولوجيا صناعية متقدمة على نطاق واسع. لكنها تقلص الفجوة بين شراء الحلول الجاهزة والقدرة على فهمها وإدماجها وتكييفها داخل المصنع. وهذه المرحلة ضرورية قبل الوصول إلى تطوير حلول محلية مستقلة.
وتقدم الصناعة الفوسفاطية بدورها مؤشرات مشابهة. فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط لم تعد تعتمد فقط على توسيع القدرات الإنتاجية، بل تعمل أيضا على تطوير العمليات الصناعية نفسها، سواء من خلال تحسين استعمال المدخلات، أو استرجاع بعض المواد، أو البحث في تثمين منتجات كانت تعتبر في السابق مخلفات صناعية.
ويكتسي هذا التحول أهمية بالغة لأن الصناعة المغربية بنت خلال العقدين الماضيين جزءً كبيرا من توسعها على جذب الاستثمارات الأجنبية، واستقبال المصانع، وإدماج الموردين، وتحسين البنيات التحتية. وقد سمح ذلك ببناء منظومات قوية في صناعة السيارات والطيران والأسمدة والإلكترونيك.
لكن المرحلة التالية أكثر تعقيدا. فالمنافسة الصناعية لا تتعلق فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات. بل إن القيمة الأعلى توجد في تصميم المادة، وتطوير العملية، والهندسة، والبرمجيات الصناعية، والاختبار، والملكية الفكرية، والقدرة على تعديل التكنولوجيا بدل الاكتفاء باستعمالها. والمؤشرات الحالية توحي بأن بعض هذه الوظائف بدأت تظهر داخل المغرب.
غير أن هذا لا يعني أن البلاد أصبحت منتجا مستقلا للتكنولوجيا، ولا أن اعتمادها على المعرفة والمعدات الأجنبية قد انتهى. لكن الفرق أصبح مع ذلك واضحا بين نموذج صناعي يقوم فقط على استضافة خطوط الإنتاج ونموذج آخر يحاول تدريجيا بناء قدرة محلية على تطوير ما يجري داخل تلك الخطوط.
