الفلاحة تقود النمو والصناعة تتباطأ

حقق الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4%  خلال الفصل الثاني من 2026، لكن هذا الرقم يخفي تفاوتا واضحا بين القطاعات. فالقيمة المضافة الفلاحية قفزت بنسبة 21.2%، بينما لم تتقدم الأنشطة غير الفلاحية سوى بـ1.5%. . وبالنسبة إلى المقاولات، تعني هذه الفجوة أن قراءة السوق انطلاقا من معدل النمو الوطني وحده قد تكون مضللة: فبعض القطاعات تدخل دورة قوية، بينما تتحرك أخرى بوتيرة أبطأ أو حتى أنها تتراجع.

وتُظهر أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن النمو نفسه تباطأ مقارنة بالفصل الثاني من 2025، حين بلغ 5.8%. كما أن القطاع الثانوي، الذي يضم الصناعة والبناء والطاقة، سجل تراجعا في قيمته المضافة بنسبة 3.9%، بعدما كان قد نما بـ5.8% قبل سنة. وكان أكبر الانخفاضات في الصناعات الاستخراجية، التي تراجعت بـ28.6%، وفي الصناعات التحويلية التي انخفضت بـ3.2%، بينما تباطأ البناء إلى 2.8% والكهرباء والماء إلى 1.9% .

لكن الحديث عن «تباطؤ الصناعة» لا يعني أن كل الفروع الصناعية تسير في الاتجاه نفسه. فمؤشر الإنتاج الصناعي التحويلي خارج تكرير النفط انخفض إجمالا بـ4.5%  خلال الفصل الثاني، غير أن فروقاً كبيرة توجد داخله مع ذلك. فقد تراجع إنتاج الصناعة الكيميائية بـ29.5%، وصناعة الملابس بـ10%، وصناعة المنتجات المعلوماتية والإلكترونية والبصرية بـ19.5%. وفي المقابل، ارتفع إنتاج الصناعات الغذائية بـ5.7%، والصناعات المعدنية غير الفلزية بـ5.9%، والمنتجات المعدنية بـ14.1%، وصناعة السيارات بـ6%، والميتـالورجيا بـ11.6% .

وهذا التفاوت أهم للمقاولة من الرقم الإجمالي نفسه. فالمُوَرِّد الذي يشتغل مع صناعة السيارات أو المنتجات المعدنية قد يواجه سوقا مختلفة تماما عن مقاولة تعتمد على الطلب الكيميائي أو النسيجي. ولذلك فإن سؤال «هل الاقتصاد ينمو؟» أقل فائدة من سؤال آخر أكثر عملية: أين يوجد النمو فعلا، وأين تتراجع الطلبيات والإنتاج؟

كما تكشف الأرقام عن فارق بين التوقعات السابقة والنتائج المحققة. ففي يوليو، كانت المندوبية تتوقع نموا بنحو 4.8% في الفصل الثاني، مع احتمال تسارع إلى 5.4% في الفصل الثالث بفضل تحسن القطاعات الثانوية. لكن النتيجة الفعلية جاءت في حدود 4%، فيما سجل القطاع الثانوي انكماشا. وهذا يجعل أداء الصناعة والاستثمار خلال الفصل الثالث مؤشرا أساسيا لمعرفة ما إذا كان الضعف الحالي مؤقتا أم جزءً من دورة أكثر بطءً.

وبالنسبة إلى المقاولات، تحمل هذه الصورة ثلاث رسائل: الأولى أن الانتعاش الفلاحي يمكن أن يدعم الطلب في الصناعات الغذائية والنقل والتوزيع والمدخلات الزراعية وبعض الخدمات المرتبطة بالعالم القروي. والثانية أن الصناعة المغربية أصبحت أكثر تباينا بين فروع تتوسع وأخرى تتراجع، بما يفرض قراءة قطاعية دقيقة قبل الاستثمار أو التوسع. أما الثالثة فهي أن قوة الطلب الداخلي لا تعني بالضرورة قوة متساوية في جميع حلقات الاقتصاد.

هكذا فإن الاقتصاد المغربي ينمو إذن. لكنه لا ينمو بالسرعة نفسها في كل مكان. والفلاحة هي التي تمنح النمو الحالي الجزء الأكبر من زخمه، بينما ترسل الصناعة إشارات أكثر تفاوتا وحذرا. وبالنسبة إلى المقاولات، لا توجد اليوم «سوق مغربية» واحدة تتحرك بالإيقاع نفسه، بل أسواق قطاعية مختلفة ينبغي قراءتها كل واحدة على حدة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *