ما يقارب ثلاثة ملايين شاب خارج المدرسة والشغل

ليس كل شاب لا يشتغل عاطلاً عن العمل. ففي المغرب توجد فئة أوسع وأكثر تعقيداً: شباب لا يشتغلون، ولا يدرسون، ولا يتابعون أي تكوين. وتشير أحدث دراسة تفصيلية لهذه الفئة إلى أن عددهم بلغ سنة 2023 حوالي 2.9 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة، أي ما يعادل 33.6 في المائة من شباب هذه الفئة العمرية. وبعبارة أبسط، فإن نحو شاب واحد من كل ثلاثة يوجد خارج الشغل والتعليم والتكوين في الوقت نفسه.

هذه المعطيات وردت في تقرير أنجز في إطار شراكة بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، وعُرضت نتائجه سنة 2026. والرقم، لذلك، لا يقيس الوضع في سنة 2026، بل يقدم أحدث تشخيص تفصيلي متاح للظاهرة اعتماداً أساساً على بيانات سنة 2023.

لكن الرقم الكبير لا يكشف وحده حقيقة المشكلة. فغالبية هؤلاء الشباب ليسوا عاطلين يبحثون عن فرصة عمل ولا يجدونها. بل إن جزء واسعا منهم يوجد خارج سوق العمل نفسه. ومن أصل نحو 2.9 مليون شاب وشابة في هذه الوضعية، فإن أكثر من مليوني شخص خارج سوق العمل، بينما ليس العاطلون الباحثون عن شغل سوى جزء من المجموع.

وهذا يعني أن اختزال الظاهرة في بطالة الشباب قد يحجب جوهرها الحقيقي. فالمشكلة لا تبدأ دائماً عند باب سوق العمل، بل قد تبدأ قبل ذلك في المدرسة، أو عند الانتقال إلى التكوين، أو بعد انتهاء الدراسة، أو عندما يطول انتظار أول فرصة إلى درجة يتوقف معها الشاب عن البحث أصلاً.

وتظهر النساء في قلب هذه الظاهرة بشكل لافت. فهن يمثلن أكثر من 72 في المائة من مجموع الشباب الموجودين خارج الشغل والتعليم والتكوين. كما ترتفع النسبة بين الشابات إلى مستويات أعلى بكثير من نظيرتها لدى الذكور، فيما تشكل النساء المصنفات ضمن ربات البيوت جزءً كبيراً من هذه الفئة.

وهنا يصبح من غير الممكن تفسير الوضع بقلة فرص العمل وحدها. فالزواج، والأعمال المنزلية، ورعاية الأطفال أو أفراد الأسرة، وإمكانية التنقل، وطبيعة الوظائف المتاحة، كلها عوامل قد تجعل أن خروج الشابة من التعليم لا يقود بالضرورة إلى دخولها سوق العمل.

وتؤكد معطيات سوق الشغل لسنة 2026 استمرار هذه الفجوة. ففي الربع الثاني من السنة لم تمثل النساء سوى 21.5 في المائة من مجموع القوة العاملة، وبلغ معدل مشاركتهن في سوق العمل 18.1 في المائة فقط، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال. وهذه الأرقام لا تقارن مباشرة بالسلاسل السابقة بسبب تغيير منهجية البحث، لكنها تظل كاشفة لاستمرار ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء.

ويظهر منعطف آخر بعد سن الرابعة والعشرين. فبينما تبلغ الظاهرة مستوى مرتفعاً بالفعل لدى الفئة العمرية الواقعة بين 15 و24 سنة، نجد أنها تقترب من النصف لدى الشباب بين 25 و29 سنة، أي أن واحداً من كل اثنين تقريباً في هذه الفئة العمرية كان سنة 2023 خارج العمل والتعليم والتكوين.

وهذه المرحلة العمرية بالذات مهمة، لأن السنوات الأولى بعد مغادرة المدرسة أو الجامعة قد تكون فترة انتقالية طبيعية نسبياً. لكن كلما طال الانتظار، ازدادت صعوبة العودة إلى التعليم أو اكتساب مهارات جديدة أو دخول أول تجربة مهنية، وقد يتحول الوضع المؤقت تدريجياً إلى حالة أكثر استقراراً.

ولعل التعليم جزء أساسي من تفسير الظاهرة. فحوالي ثلاثة أرباع الشباب المعنيين لا يتوفرون على دبلوم مؤهل. وهذا يعني أن فئة واسعة منهم تغادر النظام التعليمي دون رصيد كاف يسمح لها بولوج التكوين أو المنافسة على فرص الشغل.

ومن هنا يصبح الانقطاع المدرسي جزءً من جذور المشكلة لا ملفاً منفصلاً عنها. وتفيد وزارة التربية الوطنية بأنها رصدت خلال السنة الدراسية 2024-2025 أكثر من 93 ألف طفل ومراهق منقطع عن الدراسة ضمن إحدى عمليات التعبئة، وتمكنت من إعادة إدماج أكثر من 78 ألفاً منهم.

لكن الدبلوم لا يضمن بدوره انتقالاً سهلاً إلى الشغل. فهناك شباب درسوا وتكونوا ويحملون شهادات، ومع ذلك يدخلون فترات طويلة من البطالة. وهذا يكشف وجهاً آخر للمشكلة يتعلق بمدى ملاءمة التكوين مع حاجات الاقتصاد، وبقدرة سوق الشغل على استيعاب الوافدين الجدد، وبنوعية الوظائف المتاحة لهم.

ويواصل المغرب في المقابل توسيع قدراته في مجال التكوين المهني. فقد أعلن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل أن الدخول التكويني 2026-2027 يوفر طاقة إجمالية تبلغ 424 ألف مقعد بيداغوجي، مع افتتاح مؤسسات جديدة وإحداث وتحيين شعب مرتبطة بمهن وقطاعات مختلفة.

غير أن حجم الظاهرة يبين أن المسألة أوسع من مجرد زيادة عدد المقاعد. فليس كل شاب موجود خارج العمل والتعليم والتكوين في الوضع نفسه. ذلك أن هناك من غادر المدرسة مبكراً، وهناك من تخرج ولم يجد عملاً، وهناك من توقف عن البحث، وهناك من خرج من سوق العمل تحت تأثير مسؤوليات أسرية، كما تختلف الفرص نفسها من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي.

ولهذا لا تبدو سياسة واحدة كافية لكل الحالات. فالشاب الحاصل على شهادة والباحث عن أول وظيفة يحتاج إلى شيء مختلف عما تحتاج إليه شابة غادرت المدرسة مبكراً، أو شاب يعيش في منطقة محدودة الفرص، أو امرأة شابة خرجت من سوق العمل بعد الزواج.

وعليه، فما يقارب ثلاثة ملايين شاب خارج المدرسة والشغل ليسوا، إذن، ثلاثة ملايين نسخة من المشكلة نفسها. بل إنهم ملايين المسارات التي تعطلت في نقاط مختلفة من الطريق بين الدراسة والتكوين والعمل والاستقلال.

وبذلك قد لا يكون السؤال الأهم هو كيف نوفر ثلاثة ملايين وظيفة دفعة واحدة، بل كيف نمنع الشباب أصلاً من السقوط في المسافة الفاصلة بين المدرسة والتكوين والعمل. فحين يبقى نحو ثلث الشباب خارج هذه المسارات الثلاثة معاً، لا تظل القضية قضية تشغيل فقط، وإنما تصبح قضية تعليم وتكوين وأسرة ومجال وفرص اجتماعية، وقبل ذلك كله قضية انتقال إلى حياة البالغين، إذ لم يعد الانتقال إياه ينجح بالطريقة نفسها بالنسبة لدى الجميع.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *