هكذا يدبر المغرب أسعار المحروقات

كلما تحركت أسعار الغازوال أو البنزين في محطات الوقود، يعود ملف المحروقات إلى صدارة الاهتمام، لأن الثمن الذي يدفعه المستهلك لا يتشكل داخل المحطة نفسها، بل في مسار طويل يبدأ من الأسواق الدولية، ويمر عبر الاستيراد والتخزين والضرائب والتوزيع، قبل أن يصل إلى السعر النهائي عند المضخة.

منذ فاتح دجنبر 2015، انتقل المغرب إلى التحرير الكامل لأسعار المحروقات السائلة، بعد مسار تدريجي بدأ بنظام المقايسة سنة 2013 ثم رفع الدعم نهائيا عن الغازوال والبنزين مع بداية 2015. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الدولة تحدد سعرا موحدا للبيع كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت الشركات تحدد أسعارها في إطار سوق محررة. وكان الهدف من هذا التحول تخفيف عبء المقاصة على المالية العمومية وترك الأسعار تتحرك وفق كلفة السوق والمنافسة بين الفاعلين.

لكن تحرير الأسعار لا يعني أن كل شركة تبدأ من الصفر في حساب السعر. فالمغرب يستورد معظم حاجياته من المنتجات البترولية، ولذلك تبقى نقطة الانطلاق هي الأسعار الدولية للغازوال والبنزين المكررين، لا سعر برميل النفط الخام وحده. ويوضح مجلس المنافسة أن المرجع الأساسي بالنسبة للمستوردين المغاربة هو سوق شمال غرب أوروبا، وخاصة منطقة أمستردام–روتردام–أنتويرب، لأن جزءً كبيرا من عقود التزود مرتبط بالأسعار المتداولة في هذه السوق.

وبعد الوصول إلى السعر الدولي، تضاف كلفة النقل والتأمين والتخزين والاستيراد والتوزيع، ثم الضرائب. وهذه الأخيرة تمثل مكونا أساسيا في سعر المحروقات. ففي سنة 2025 بلغت المداخيل الجبائية المتأتية من استيراد الغازوال والبنزين حوالي 28.45 مليار درهم، منها 21.16 مليار درهم من الضريبة الداخلية على الاستهلاك، و7.29 مليارات من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد. وهذا يجعل المحروقات في الوقت نفسه سلعة طاقية ومصدرا مهما للإيرادات العمومية.

بعد ذلك تأتي هوامش الاستيراد والتخزين والتوزيع والبيع بالتقسيط. وهنا لا يوجد، من حيث المبدأ، هامش واحد تفرضه الدولة على الجميع. فكل شركة تتحمل بنية تكاليف خاصة بها وتحدد سياستها التجارية. ولهذا يمكن أن تختلف الأسعار بين شركة وأخرى، أو حتى بين محطتين تحملان العلامة نفسها في منطقتين مختلفتين.

مع ذلك، تكشف السوق المغربية عن خاصية لافتة: الأسعار تتحرك غالبا في تواريخ متقاربة، خصوصا مع بداية الشهر ومنتصفه. وهذه الوتيرة ليست جزءً جديدا من قانون التحرير، بل هي استمرار عملي لآلية كانت موجودة قبل التحرير، حين كانت الأسعار تراجع في فاتح و16 من كل شهر. وقد أشار مجلس المنافسة سنة 2026 إلى أنه بدأ مناقشة إمكانية تطوير هذه الممارسة بما يسمح بتحسين شروط المنافسة في السوق.

والعلاقة بين الأسعار الدولية والأسعار عند المضخة ليست آلية دائما. ففي الفترة بين فاتح و16 مارس 2026، ارتفعت الأسعار الدولية للغازوال بما يعادل 2.92 درهم للتر، بينما ارتفع السعر عند المضخة بنحو 2.03 درهم فقط، أي بنسبة انتقال تقارب 69.5 في المائة. أما البنزين، فقد ارتفعت مرجعيته الدولية بحوالي 1.26 درهم للتر بينما ارتفع سعر البيع بنحو 1.43 درهم. ويبين ذلك أن انتقال الصدمة الدولية يمكن أن يختلف بين المنتجات والفترات وحتى بين الشركات.

ويظل مستوى المنافسة عاملا آخر في تشكيل الأسعار. فقد بلغ عدد شركات توزيع المنتجات البترولية المرخص لها 39 شركة بنهاية 2025، فيما وصل عدد محطات الخدمة إلى 3742 محطة. غير أن جزءً مهما من قدرات التخزين والاستيراد يظل مركزا لدى عدد محدود من الشركات الكبرى، بينما تتوسع المنافسة بسرعة أكبر على مستوى محطات البيع بالتقسيط.

لهذا السبب أصبح مجلس المنافسة فاعلا أساسيا في تدبير السوق بعد التحرير. فدوره لا يتمثل في تحديد الأسعار، وإنما في مراقبة شروط المنافسة وتتبع العلاقة بين الأسعار الدولية وكلفة الشراء والأسعار المطبقة وهوامش الشركات. كما أن المنافسة المحلية نفسها تدفع المحطات أحيانا إلى التقارب في الأسعار، لأن المستهلك يستطيع المقارنة بسهولة بين محطات متجاورة تبيع منتجا متشابها.

هكذا أصبح تدبير أسعار المحروقات في المغرب يقوم على توازن دقيق بين سوق دولية لا يتحكم فيها البلد، ونظام أسعار محرر، وضرائب ثابتة نسبيا، وشركات تتنافس في الاستيراد والتوزيع، وسلطة عمومية تراقب حسن اشتغال السوق بدل أن تحدد السعر مباشرة.

ولذلك، عندما يتغير ثمن لتر الغازوال أو البنزين، فإن ما يصل إلى المستهلك في النهاية ليس انعكاسا لسعر النفط وحده، بل حصيلة منظومة كاملة تتداخل فيها كلفة الطاقة العالمية والضرائب واللوجستيك والمنافسة وهوامش الفاعلين. وهذه المنظومة هي التي تحدد، في نهاية المطاف، الرقم الذي يظهر على شاشة محطة الوقود.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *