أعادت نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة ،المعروف اختصاراً ب”PISA”، لسنة 2025 سؤال جودة المدرسة المغربية إلى الواجهة بقوة. فالنتائج الجديدة لا تقدم صورة مريحة عن مستوى التعلمات لدى التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة، وهي تشير إلى تراجع واضح في الأداء مقارنة بدورة 2022 في الرياضيات والقراءة، بينما لم يسجل في العلوم تحسن ذو دلالة واضحة. وإذا امتدت المقارنة إلى أول مشاركة مغربية سنة 2018، فإن الاتجاه العام لا يسمح بالحديث عن مسار ثابت نحو الأفضل.

هذه الأرقام تظهر في الوقت نفسه الذي توسع فيه مشروع «مؤسسات الريادة»، والذي يقدم باعتباره أحد أهم مداخل إصلاح المدرسة العمومية. ولذلك يبدو السؤال مشروعا: هل فشلت «المدرسة الرائدة»؟
غير أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولا فهم ما تقيسه PISA، لأن الأمر لا يتعلق بامتحان مدرسي عادي ولا بمسابقة دولية لترتيب الدول من الأفضل إلى الأسوأ. بل إن PISAهي اختصار لـProgramme for International Student Assessment، “أي البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ” ، وتشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية . ويمكن وصف الاختبار ببساطة بأنه منظومة دولية لقياس وتقويم الكفايات لدى المتعلمين في سن الخامسة عشرة.
والمقصود بالكفايات هنا ليس مقدار ما حفظه التلميذ من مقرراته، وإنما قدرته على توظيف ما تعلمه. فالسؤال الأساسي الذي تطرحه PISA ليس فقط: ماذا يعرف التلميذ؟ وإنما: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه؟
في القراءة، لا يكفي أن يكون التلميذ قادرا على قراءة الكلمات. بل المطلوب أن يفهم النص، ويستخرج المعلومات منه، ويميز بين الأفكار، ويربط بينها ويستدل بها. وفي الرياضيات، لا يختبر فقط في حفظ القواعد، وإنما في قدرته على التعرف على المشكلة الرياضية داخل وضعية واقعية، واختيار الأدوات المناسبة لحلها. وفي العلوم، يتعلق الأمر بفهم الظواهر وتفسيرها، واستعمال المعرفة العلمية والأدلة للوصول إلى استنتاجات معقولة.
لهذا تكتسب نتائج هذا التقويم أهميتها. فهي تحاول، إلى حد بعيد، قياس ما إذا كانت المدرسة قد أنتجت في نهاية التعليم الأساسي متعلما قادرا على الفهم والاستدلال وحل المشكلات، وليس فقط متعلما اجتاز سنوات من الدراسة. وتقسم PISA نتائج التلاميذ إلى مستويات للكفاية، ويعتبر المستوى الثاني عموما الحد الأدنى الذي يسمح للتلميذ بأداء مهام أساسية بصورة مستقلة في المجال المقاس. وعندما ننظر إلى المغرب من هذه الزاوية، تصبح المشكلة أوضح بكثير مما توحي به مجرد المرتبة الدولية.
في دورة 2025 لم يبلغ المستوى الثاني أو ما فوقه سوى نحو 16 في المائة من التلاميذ المغاربة في الرياضيات، و13 في المائة في القراءة، و23 في المائة في العلوم. وبصيغة أخرى، فإن نحو 84 في المائة من التلاميذ كانوا دون الحد الأدنى من الكفاية في الرياضيات، و87 في المائة دونه في القراءة، و77 في المائة دونه في العلوم.
وهنا توجد المشكلة الحقيقية. فليس الأهم أن يكون المغرب في مرتبة متأخرة داخل جدول دولي، وإنما المشكلة تكمن في أن غالبية كبيرة من التلاميذ تبلغ الخامسة عشرة من العمر بعد سنوات طويلة داخل المدرسة من دون أن تكتسب الحد الأدنى من الكفايات التي يفترض أن يكون التعليم الأساسي قد وفرها لها. والنتائج الأخيرة لا تشير إلى أن هذه المشكلة في طريقها السريع إلى الزوال. فقد بلغ متوسط المغرب في دورة 2022 نحو 365 نقطة في الرياضيات و339 في القراءة و365 في العلوم، بينما انخفض في 2025 إلى نحو 355 نقطة في الرياضيات و321 في القراءة و358 في العلوم. أي أن التراجع بلغ عشر نقاط في الرياضيات وثماني عشرة نقطة في القراءة، بينما كان الانخفاض في العلوم أقل وضوحا من الناحية الإحصائية.
بهذا المعنى، لا تكشف PISA عن طفرة في جودة التعلمات، بل عن استمرار أزمة ممتدة، وعن تراجع في بعض المجالات الأساسية، وفي مقدمتها القراءة.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالمدرسة المغربية لم تظل ثابتة خلال هذه السنوات. ومن بين التحولات المهمة أن نسبة أكبر من الأطفال في سن الخامسة عشرة أصبحت اليوم داخل التعليم وقادرة على الدخول ضمن العينة التي تختبرها PISA. بمعنى آخر، فقد أضحى النظام التعليمي يحتفظ بفئات من التلاميذ كانت في السابق أكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة قبل بلوغ هذه السن.
وهذا تقدم حقيقي في مجال التمدرس، لكنه يضع النظام أمام تحد أصعب. فربما يكون المغرب قد نجح في إبقاء عدد أكبر من الأطفال داخل المدرسة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل بقائهم فيها إلى تعلم فعلي. ولهذا ينبغي التمييز بين شيئين مختلفين: تعميم الولوج إلى المدرسة، وجودة ما يتعلمه التلميذ داخلها. وإذا كان التوسع في التمدرس قد تحقق إلى حد معتبر، فإن أرقام PISA تقول إن معركة جودة التعلمات لا تزال بعيدة عن الحسم.
لكن هل يعني ذلك أن «المدرسة الرائدة» فشلت؟
هنا تصبح المقارنة الزمنية حاسمة. فقد بدأت التجربة الأولى لمؤسسات الريادة في الموسم الدراسي 2023-2024 داخل 626 مدرسة ابتدائية، قبل أن يبدأ توسيعها تدريجيا. أما تجربة الإعداديات الرائدة فهي لم تنطلق إلا في الموسم الدراسي 2024-2025.
في المقابل، تختبر PISA تلاميذ يبلغون الخامسة عشرة من العمر. وهذا يعني أن التلميذ الذي اجتاز اختبار PISA سنة 2025 كان قد قضى معظم مساره الدراسي قبل ظهور نموذج المدرسة الرائدة أصلا. ولا يمكن بحكم ذلك، من الناحية المنهجية، أن نأخذ نتائج تلاميذ تكوّنوا في أغلب سنواتهم داخل المدرسة السابقة ثم نستعملها كأساس لحكم نهائي على إصلاح لم يبدأ إلا قبل فترة قصيرة. بل إن المعطيات الأولية المباشرة المتعلقة بالمشروع نفسه تسير، حتى الآن، في اتجاه مختلف. فالتقييمات التي رافقت المرحلة التجريبية سجلت تحسنا في مستوى التعلمات، وتشير نتائج تقييمات أولية إلى أن تلاميذ المدارس الرائدة حققوا مكاسب مهمة مقارنة بتلاميذ مؤسسات مماثلة لم تطبق النموذج.
غير أن هذه النتائج نفسها لا تكفي بدورها لإعلان النجاح النهائي. فالنجاح داخل بضع مئات من المدارس التجريبية لا يضمن أن النتائج نفسها ستستمر عندما يتوسع النموذج إلى آلاف المؤسسات وملايين التلاميذ. وكل إصلاح تعليمي يمكن أن يحقق نتائج قوية في نطاق محدود ثم يواجه صعوبات حين ينتقل إلى التعميم: تفاوت مستوى التأطير، اختلاف جودة التنفيذ، ضغط الأعداد، تفاوت الموارد، واستمرار الفوارق بين المؤسسات والمناطق.
وهنا يوجد الامتحان الحقيقي لمشروع المدرسة الرائدة. فالأمر لن يحسمه عدد المدارس التي تحمل صفة «رائدة»، ولا عدد المدرسين الذين تلقوا تكوينا، ولا عدد الوسائل والتجهيزات التي تم توفيرها، إذ أن هذه كلها تظل مجرد وسائل وليست غايات. بل إن المعيار الحقيقي أبسط وأصعب في الوقت نفسه: هل أصبح التلميذ قادرا على القراءة والفهم بصورة أفضل؟ هل أصبح قادرا على توظيف الرياضيات في حل المشكلات؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير العلمي والاستدلال؟ وهل تتحسن هذه الكفايات لدى مختلف فئات التلاميذ، لا لدى جزء محدود منهم فقط؟
ولهذا يمكن أن نجيب حاليا عن السؤال الذي طرحه العنوان بجملة واضحة: لا توجد معطيات كافية تسمح بالقول إن «المدرسة الرائدة» قد فشلت، كما أنه من السابق لأوانه إعلان نجاحها النهائي.
أما ما يمكن قوله بثقة أكبر فهو أن المدرسة المغربية ما تزال تواجه أزمة عميقة في التعلمات، وأن هذه الأزمة لم تبدأ مع المدارس الرائدة ولن تختفي لمجرد تغيير اسم المؤسسة أو طريقة تنظيمها.
