في الوقت الذي يواجه فيه المغرب تحديا مستمرا لتوسيع العرض الصحي وتحسين الولوج إلى العلاج، توجد شبكة صحية قائمة منذ عقود، تضم 13 مصحة تابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، موزعة على تسع مدن، وتتوفر على نحو ألف سرير استشفائي وعشرات قاعات العمليات ومصالح للولادة والإنعاش وتصفية الدم والأشعة والمختبرات.

هذه المصحات ليست مجرد مرافق داخلية لفائدة منخرطي الصندوق، بل تستقبل مختلف المرضى، وتتوفر كلها على مصالح للمستعجلات تعمل على مدار الساعة. وفي سنة 2023 وحدها سجلت الشبكة أكثر من 785 ألف حالة استقبال، وأكثر من 418 ألف استشارة طبية، ونحو 64 ألف حالة استشفاء، إضافة إلى أكثر من 28 ألف عملية جراحية و12 ألف ولادة.
الأرقام السالفة تعني أن مصحات الضمان الاجتماعي تساهم بالفعل في العرض الصحي بالمغرب. لكنها تعني أيضا أن هذه المساهمة يمكن أن تكون أكبر. فالشبكة ظلت تعاني خلال سنوات من ضعف الاستغلال ومن عجز مالي هيكلي. وتظهر المعطيات المتاحة أن معدل ملء الأسرَّة ظل في عدد من المصحات أقل من المستوى الذي تسمح به طاقتها، مع تفاوت كبير من مؤسسة إلى أخرى. كما كان العجز السنوي للشبكة يقدر بحوالي 250 مليون درهم، قبل إطلاق برنامج لإعادة التأهيل وتحديث التجهيزات والأنظمة المعلوماتية.
وهنا تطرح الخطوة الجديدة التي اتخذها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سؤالا مهما. فمجلس إدارة الصندوق وافق في الثالث من شتنبر الجاري على إحداث شركة تابعة جديدة ستتولى تدبير شبكة المصحات. والقرار ليس مجرد تغيير إداري، لأن وضع هذه المصحات ظل لسنوات يطرح إشكالا مرتبطا بكون الصندوق يدبر التأمين الإجباري عن المرض، وفي الوقت نفسه يشرف على مؤسسات تقدم العلاج.
والفكرة من وراء تأسيس الشركة الجديدة هي، بالضبط، الفصل بين الوظيفتين حيث يبقى الصندوق مؤسسة لتدبير الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، بينما تتولى شركة مستقلة تدبير المصحات كشبكة علاجية لها منطقها الخاص وميزانيتها وحكامتها. وهذا الفصل بين الوظيفتين قد يفتح الباب أمام تحول مهم إذا استُخدم لتحسين الأداء، لا لتغيير الشكل القانوني فقط. فالمغرب يحتاج إلى مستشفيات جديدة وإلى موارد بشرية وتجهيزات إضافية، لكنه يحتاج كذلك إلى الاستفادة الكاملة من البنيات الموجودة أصلا. وإذا كانت هناك شبكة تتوفر على نحو ألف سرير وعلى مصالح للجراحة والولادة والإنعاش وتصفية الدم والأشعة، فإن تحسين تشغيلها قد يكون أحد أسرع الطرق لزيادة العرض الصحي المتاح.
ولعل المشكلة الأساسية في مصحات الضمان الاجتماعي ليست غياب البنية، بل كفاءة استعمالها. فبعض المصحات عرفت معدلات إشغال محدودة، بينما اقتربت أخرى من مستويات مرتفعة جدا. وهذا يعني أن الشبكة لا تعمل بالوتيرة نفسها في جميع المدن، وأن تحسين الحكامة وتوزيع الموارد وتحديث المعدات وتنظيم الخدمات يمكن أن يرفع مردوديتها دون الحاجة إلى بناء شبكة جديدة من الصفر.
كما أن تحسن الأداء المالي في السنوات الأخيرة يقدم إشارة إيجابية. فرقم معاملات الشبكة ارتفع من حوالي 430 مليون درهم سنة 2021 إلى ما يقارب 700 مليون درهم سنة 2025، بالتوازي مع برنامج لإعادة التأهيل وتحديث التجهيزات.
لكن قيمة هذه المصحات لا تقاس فقط بقدرتها على خفض العجز أو رفع رقم المعاملات. بل إن السؤال الأهم هو ما إذا كانت تستطيع أن تلعب دورا صحيا أوسع. فشبكة مصحات الضمان الاجتماعي توجد في موقع خاص داخل المنظومة الصحية المغربية، إذ هي ليست جزءً من المستشفيات العمومية التقليدية، وليست في الوقت نفسه شبكة تجارية خاصة. وهذا يمنحها إمكانية أن تشكل عرضا مكملا، قادرا على استقبال المرضى وتخفيف الضغط عن المستشفيات العمومية، مع تقديم خدمات في إطار منظم وأسعار مضبوطة.
غير أن هذه الإمكانية تظل محدودة بعاملين أساسيين، أولهما أن الشبكة لا توجد إلا في تسع مدن، وهو ما يجعل انتشارها الجغرافي محدودا مقارنة بالحاجيات الصحية على المستوى الوطني، وثانيهما أن ألف سرير، رغم أهميته، يبقى رقما صغيرا أمام حجم الطلب الصحي في بلد يقترب عدد سكانه من أربعين مليون نسمة.
لذلك لا يمكن لمصحات الضمان الاجتماعي أن تعوض المستشفيات العمومية أو أن تحل بمفردها مشكلة العرض الصحي. لكنها تستطيع أن تقدم مساهمة أكبر بكثير مما تقدمه اليوم. ويمكن للشركة الجديدة أن تكون نقطة تحول إذا نجحت في رفع معدل استعمال الأسرة، وتحديث التجهيزات، وتحسين جودة الخدمات، وضمان حكامة أكثر مرونة ووضوحا، مع الحفاظ على الطابع الاجتماعي للشبكة.
