الدار البيضاء تدخل ورش رقمنة التجارة الدولية

دخلت الدار البيضاء على خط تحول جديد في الإجراءات المنظمة للتجارة الدولية، باحتضانها اجتماعات مهنية دولية تناقش الانتقال من الوثائق الجمركية الورقية إلى الصيغ الرقمية. ويأتي هذا التحول في سياق توجه عالمي نحو تبسيط حركة البضائع عبر الحدود، وتقليص الإجراءات الإدارية التي تتحملها المقاولات عند مشاركتها في المعارض والأنشطة التجارية والمهنية خارج بلدانها.

واحتضنت غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء سطات، يومي 3 و4 نونبر 2026، اجتماعات المجلس العالمي لدفتر الإدخال المؤقت للبضائع، المعروف اختصاراً باسم  WATAC ، بمشاركة أكثر من خمسين ممثلاً عن الهيئات الدولية المعنية بإصدار هذه الوثيقة وضمان استعمالها. وتندرج الاجتماعات ضمن برنامج أوسع يمتد من 2 إلى 6 نونبر، ويشمل كذلك قضايا تحديد منشأ البضائع، بمشاركة ممثلين عن أكثر من ثلاثين دولة.

وتكمن أهمية هذه الاجتماعات في أنها تتزامن مع استعداد المغرب للانتقال إلى الصيغة الإلكترونية لدفتر الإدخال المؤقت للبضائع، المعروف باسم  E-ATA ، في إطار تعاون يجمع غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء سطات، وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، وغرفة التجارة الدولية.

ويتيح الدفتر للمقاولات إدخال أنواع محددة من البضائع مؤقتاً إلى بلدان أخرى دون أداء الرسوم والضرائب الجمركية عند الدخول، شريطة احترام الضوابط المحددة وإعادة إخراج البضائع داخل الآجال القانونية. ويستعمل هذا النظام خصوصاً لنقل المعدات المهنية والعينات التجارية والمنتجات الموجهة للعرض في المعارض والتظاهرات الاقتصادية الدولية.

وبمعنى آخر، تستطيع مقاولة مغربية ترغب في عرض منتجاتها بمعرض تجاري خارج المغرب الاستفادة من هذا النظام لتجنب أداء رسوم الاستيراد المعتادة على بضائع لن تباع بالضرورة في البلد المستضيف، وإنما ستعود إلى المغرب بعد انتهاء المعرض. وينطبق الأمر نفسه على المقاولات الأجنبية التي تنقل معدات أو عينات إلى المغرب لأغراض مهنية مؤقتة.

غير أن هذا النظام ظل يعتمد تاريخياً على وثائق ورقية تتطلب إجراءات إصدار ومراقبة وتأشير عند عبور الحدود. ولذلك يستهدف مشروع E-ATA نقل هذه العمليات تدريجياً إلى منظومة إلكترونية تسمح بإصدار الدفاتر واستعمالها وتتبعها رقمياً، مع تحسين تبادل المعلومات بين الجهات المصدرة والإدارات الجمركية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد استبدال الوثيقة الورقية بنسخة إلكترونية، ذلك أن الرقمنة تتيح للإدارات المعنية تتبع العمليات الجمركية بصورة أكثر انتظاماً، والتحقق من انتقال البضائع بين البلدان، وتسهيل معالجة المعلومات المرتبطة بالإدخال المؤقت وإعادة التصدير.

وقد دخل هذا التحول مرحلته التنفيذية الدولية في فاتح يونيو 2026، عندما شرعت إدارات الجمارك في الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا والمملكة المتحدة في قبول دفاتر ATA الرقمية. ووفق خطة الانتقال العالمية التي تعتمدها غرفة التجارة الدولية، يفترض أن تتوسع المنظومة تدريجياً إلى بقية البلدان المشاركة حتى نهاية دجنبر 2027، تمهيداً للانتقال إلى نظام رقمي عالمي ابتداء من فاتح يناير 2028.

وهذا الجدول الزمني يمنح الاجتماعات المنعقدة بالدار البيضاء أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فالمغرب مدعو إلى تكييف إجراءاته وأنظمته التقنية مع التحول الدولي، بما يتيح للمقاولات المغربية الاستفادة من الصيغة الجديدة عند تعاملها مع الأسواق التي تعتمد الدفاتر الرقمية.

وفي هذا السياق، تناول اجتماع عمل جمع ممثلين عن غرفة التجارة والصناعة والخدمات وإدارة الجمارك والاتحاد العالمي للغرف التجارية مستجدات المشروع. وتشير المعطيات المنشورة إلى موافقة إدارة الجمارك المغربية على التوجه نحو الرقمنة، غير أنها لا تحدد حتى الآن موعداً رسمياً لبدء الاستعمال الفعلي للدفتر الإلكتروني بالمغرب.

ولعل هذه النقطة هي التي ينبغي التمييز فيها بين الإعلان عن التوجه والشروع في التنفيذ. فالموافقة على المشروع لا تعني بالضرورة أن المقاولات أصبحت قادرة على استعمال الوثيقة الرقمية في جميع العمليات المعنية، ولا أن مختلف المكاتب الجمركية المغربية استكملت استعداداتها التقنية والتنظيمية.

كما أن المكاسب الاقتصادية المتوقعة تظل مرتبطة بكيفية تنزيل المشروع. فرغم أن الرقمنة يمكن أن تقلص تداول الوثائق الورقية وتحسن تتبع العمليات، فإن قياس أثرها الفعلي على المقاولات يتطلب معرفة عدد دفاتر ATA المستعملة سنوياً في المغرب، وتكاليف إصدارها، والمدة اللازمة لإنجاز الإجراءات، ومدى تغير هذه المؤشرات بعد الانتقال إلى النظام الإلكتروني.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدار البيضاء، باعتبارها مركزاً اقتصادياً يحتضن عدداً كبيراً من المقاولات والأنشطة المهنية والمعارض التجارية الدولية. فكل تبسيط فعلي لإجراءات انتقال المعدات والعينات والمنتجات المخصصة للعرض يمكن أن ينعكس على قدرة المقاولات على المشاركة في التظاهرات الخارجية واستقبال الفاعلين الاقتصاديين الأجانب.

ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين رقمنة دفتر الإدخال المؤقت ورقمنة التجارة الخارجية برمتها. فالمغرب يتوفر بالفعل على أنظمة إلكترونية للتخليص الجمركي، من بينها نظام BADR، بينما يخص المشروع الجاري نظاماً دولياً محدداً لحركة البضائع المؤقتة عبر الحدود.

والنتيجة أن الاجتماعات التي تحتضنها الدار البيضاء تمثل محطة في مسار تحديث إحدى الآليات المنظمة للتجارة الدولية، لكنها ليست إعلاناً عن اكتمال هذا التحول في المغرب. وسيكون المؤشر الحقيقي على تقدم المشروع هو تحديد موعد اعتماد الدفتر الإلكتروني وطنياً، وبدء استعماله الفعلي، وقياس أثره على الإجراءات التي تواجهها المقاولات.

ففي التجارة الدولية، لا يتم تقييم الرقمنة بعدد المنصات والوثائق الإلكترونية التي يجري الإعلان عنها، وإنما بما تختصره من وقت وتكاليف، وما توفره من وضوح وسهولة في عبور البضائع بين الأسواق.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *