لماذا تهيمن البطولة الإسبانية على اهتمام المغاربة؟

قد تختلف الرباط ومدريد حول السياسة والحدود والهجرة والمصالح، لكن ملايين المغاربة يواصلون، كل أسبوع تقريبا، الدخول إلى الملاعب الإسبانية عبر شاشاتهم وهواتفهم. فالسياسة تستطيع أن ترفع درجة التوتر بين دولتين، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها محو روابط اجتماعية وثقافية تراكمت بين مجتمعين طوال عقود. وكرة القدم واحدة من أكثر هذه الروابط رسوخا.

وتقدم إحصائيات محرك البحث العالمي غوغل هذه الأيام دليلا رقميا لافتا على ذلك. ففي لائحة المواضيع الصاعدة في المغرب خلال الأيام السبعة الأخيرة، لم تتصدر مباراة للمنتخب المغربي، ولا مواجهة من البطولة الوطنية، ولا حتى مباراة من الدوري الإنجليزي. بل إن القمة كانت لمباراة ريال بيتيس وريال مدريد، التي تجاوز حجم البحث عنها عتبة 100 ألف عملية بحث. وظهرت مباراة فالنسيا وبرشلونة عند 50 ألفا فأكثر، وبرشلونة ورايو فاييكانو عند المستوى نفسه. وأكثر من ذلك فإن الموضوع الواحد يظهر في أحيان كثيرة بصيغ عربية وفرنسية وإنجليزية مختلفة، تضيف بدورها عشرات الآلاف من عمليات البحث.

المقارنة مع بقية البطولات الأوروبية تكشف حجم الظاهرة. أرسنال وتشيلسي ظهرت عند 10 آلاف بحث فأكثر، ومانشستر سيتي وكوفنتري عند المستوى نفسه، بينما باريس سان جيرمان وموناكو بلغت 20 ألفا فأكثر، ويوفنتوس وميلان ألفين فأكثر. وفي المقابل لم يقتصر الاهتمام الإسباني على ريال مدريد وبرشلونة، فقد ظهرت أيضا مباراة أتلتيك بلباو وأتلتيكو مدريد عند 10 آلاف فأكثر، وريال سوسييداد وسيلتا فيغو عند 5 آلاف، وإسبانيول وإشبيلية وخيتافي وسيلتا ضمن الترندات المغربية.

هذه الأرقام لا تسمح وحدها بقياس الحصة الدقيقة لكل بطولة من اهتمام الجمهور المغربي، لأن بيانات الترند تقدم عتبات تقريبية، كما أن المباراة الواحدة قد تظهر في عدة صيغ بحث. لكنها تكشف شيئا يصعب تجاهله: عندما تتحرك البطولة الإسبانية، يتحرك معها جمهور مغربي كبير.

والتفسير الأسهل هو ريال مدريد وبرشلونة. فالناديان معاً من أكبر العلامات الرياضية في العالم، وقد صنع التنافس بينهما، خصوصا خلال العقود الأخيرة، جمهورا كونيا يتجاوز حدود إسبانيا. لكن هذا التفسير، على صحته، لا يكفي لفهم الحالة المغربية، حيث أن ريال مدريد وبرشلونة عالميان دون ريب، بينما تبدو علاقتهما بالمغرب أكثر عمقا من مجرد متابعة فريقين ناجحين.

في المغرب، أصبح الانتماء إلى أحد الناديين جزءً من الثقافة الكروية اليومية. ونحن نرى قمصان الفريقين حاضرة في الشوارع، ومبارياتهما موضوع دائم للنقاش في المقاهي والبيوت وشبكات التواصل، كما توجد روابط منظمة لمشجعي الأندية الإسبانية في المغرب. ومع مرور الوقت لم يعد الكلاسيكو حدثا كرويا أجنبيا فقط، بل تحول إلى موعد اجتماعي مألوف داخل الحياة المغربية. أضف إلى ذلك أن الذاكرة الرياضية لتزيد العلاقة عمقا.

فالمغرب له تاريخ طويل داخل الكرة الإسبانية، من العربي بن مبارك، الذي أصبح أحد أبرز نجوم أتلتيكو مدريد في منتصف القرن الماضي، إلى نور الدين النيبت وصلاح الدين بصير مع ديبورتيفو لاكورونيا، ثم أجيال متعاقبة من اللاعبين المغاربة في أندية الليغا. واليوم، تستمر الصلة مع أسماء مثل براهيم دياز وعبد الصمد الزلزولي.

نعم، فوجود لاعب مغربي في ناد إسباني لا يصنع وحده شعبية البطولة، لكنه مع ذلك يختصر المسافة النفسية بينها وبين الجمهور.وبذلك يصبح ما يحدث في إشبيلية أو مدريد أو برشلونة مرتبطا أيضا بلاعب يرتدي بعد أيام قميص المنتخب المغربي.

وهناك عامل لا يمكن فصله عن الجغرافيا. فالمغرب ليس بالنسبة لإسبانيا سوقا كروية تقع في قارة بعيدة.والحقيقة الجغرافية في أضيق نقطة من المضيق تقول إن كيلومترات قليلة فقط تفصل بين البلدين. وتوجد بين الضفتين حركة بشرية مستمرة، وهجرة، وعائلات، وتجارة، وسياحة، وتداخل ثقافي ولغوي، خصوصا في شمال المغرب. بمعنى آخر، فإن كرة القدم دخلت ضمن هذه العلاقة القائمة أصلا، ولم تبدأها من الصفر.

ومع تراكم البث التلفزيوني، صار الدوري الإسباني جزءً من العادة الرياضية المغربية. وهذا عامل مهم؛ فالاهتمامات الجماهيرية لا تتشكل كل أسبوع من جديد. والطفل الذي نشأ وهو يتابع ريال مدريد أو برشلونة يصبح بعد عشرين سنة متابعا يحمل معه ذاكرة من المباريات واللاعبين والبطولات، ثم ينقل الاهتمام نفسه إلى جيل آخر.

وهنا تتحول كرة القدم من منتج ترفيهي إلى شكل من أشكال القوة الناعمة. فإسبانيا لا تصل إلى المغاربة عبر سفارتها ووزاراتها وسياستها الخارجية فقط. بل إنها تصل إليهم أيضا عبر ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد وبيتيس والليغا. وربما تكون هذه الأسماء أكثر حضورا في الحياة اليومية لملايين المغاربة من معظم المؤسسات الإسبانية الأخرى.

وتوجد لهذه القوة الناعمة امتدادات مؤسساتية مباشرة داخل المغرب. فمؤسسة ريال مدريد مثلا بدأت نشاطها الاجتماعي الرياضي في طنجة منذ سنوات، ثم وسعت حضورها إلى مدن ومناطق أخرى. وفي 2023 أعلنت المؤسسة أنها تساعد أكثر من ألفي طفل في وضعية هشاشة من خلال ثمان مدارس اجتماعية رياضية بالمغرب، قبل أن تطلق برنامجا تعليميا جديدا في الرباط في 2025 لفائدة 250 طفلا، مع خطط للتوسع نحو الدار البيضاء وطنجة. وفي فبراير 2026 نظمت المؤسسة في تطوان أول نسخة إفريقية من كأس Alma الشاملة، بمشاركة أكثر من مائة طفل وثلاثين مدربا من مدارسها الاجتماعية في المغرب.

بهذا المعنى، لا تبيع كرة القدم الإسبانية للمغرب تسعين دقيقة من اللعب فقط. فهي تنتج صورا وذكريات وانتماءات وعلاقات تمتد خارج الملعب. وتزداد دلالة ذلك عندما توضع هذه الشعبية بجانب الحالة السياسية الراهنة.

فالعلاقات المغربية الإسبانية تمر خلال الأسابيع الأخيرة باحتكاك جديد على خلفية أزمة الهجرة في سبتة. والأزمة تحولت، بالفعل، إلى قضية سياسية داخل إسبانيا، وخرج آلاف المتظاهرين في سبتة في بداية شتنبر، بينما واجهت الحكومة الإسبانية ضغوطا متزايدة بسبب طريقة تدبيرها للملف. كما رفض رئيس الوزراء بيدرو سانشيز القول بوجود دليل يثبت أن المغرب دبر موجة العبور، رغم وجود اتهامات بهذا المعنى داخل إسبانيا.

واللافت أن إحصائيات غوغل نفسها تسجل في ذات الأيام صعود البحث عن «Espagne» مرتبطا بكلمات مثل «crise» و«Maroc» و«Ceuta». أي أن الأزمة السياسية كانت حاضرة فعلا في اهتمامات المغاربة. لكنْ، في وقت نفسه، كانت مباريات البطولة الإسبانية تسجل أحجام بحث تفوقها بأضعاف.

وربما هنا، بالضبط، تقدم الرياضة شيئا يصعب على الدبلوماسية إنتاجه: علاقة يمكنها أن تستمر حتى عندما تتوتر العلاقة الرسمية. فالمواطن المغربي يستطيع أن يكون شديد الحساسية تجاه قضية سبتة أو موقف سياسي إسباني، ثم ينتظر في المساء مباراة ريال مدريد دون أن يرى في ذلك أي تناقض بالضرورة بين الأمرين، حيث تبقى العلاقة بالدولة شيئا، والعلاقة بمجتمع وثقافة وناد وذاكرة رياضية شيئا آخر تماماً. ولعل هذا هو ما يجعل القوة الناعمة مختلفة عن النفوذ السياسي المباشر. فالنفوذ السياسي يتأثر بسرعة بالأزمات والقرارات والمواقف. أما القوة الناعمة فتبنى ببطء وتعيش عادة مدة أطول، لأنها تستقر داخل الأذواق والعادات والذكريات.

كما أن العلاقة الرياضية بين البلدين لم تعد أحادية الاتجاه تماما. والمغرب نفسه أصبح في السنوات الأخيرة قوة كروية ذات حضور دولي، ووصول المنتخب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 غير صورة الكرة المغربية عالميا. وستزداد العلاقة تعقيدا وقوة مع التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. وبذلك تتحول الكرة من قناة تأثير إسباني في المجتمع المغربي إلى فضاء للتعاون والمنافسة والتفاوض بين دولتين كرويتين متجاورتين.

إن المغاربة لا يتابعون البطولة الإسبانية فقط لأن مباريات ريال مدريد وبرشلونة جيدة. بل إنهم يتابعونها لأن الليغا أصبحت خلال عقود جزءً من بيئتهم الرياضية والثقافية: قرب جغرافي، بث تلفزيوني متراكم، أندية صنعت ولاءات عابرة للأجيال، لاعبون مغاربة، روابط بشرية بين البلدين، ومؤسسات رياضية إسبانية تعمل داخل المغرب.

لهذا تستطيع مباراة لريال مدريد أن تجتذب في أيام قليلة أكثر من مائة ألف عملية بحث، بينما تظهر حتى مباريات لا يشارك فيها ريال مدريد أو برشلونة ضمن أكثر الموضوعات بحثا في المغرب. وما تكشفه هذه الهيمنة هو أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا أكبر من العلاقة بين الرباط ومدريد. فالحكومات تستطيع أن تختلف، والحدود تستطيع أن تنتج الأزمات، والهجرة تستطيع أن ترفع التوتر، لكن هناك في الأسفل شبكة من الروابط اليومية لا تتغير بالسرعة نفسها. وفي حالة كرة القدم، يبدو أن إسبانيا نجحت في بناء واحد من أكثر أشكال قوتها الناعمة رسوخا في المغرب: جمهور واسع قد يختلف حول السياسة، لكنه يعرف جيدا متى يلعب ريال مدريد وبرشلونة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *