خلال سنوات قليلة، تغير موقع المغرب على الخريطة الرياضية الدولية بصورة لافتة. لم يعد الأمر مقتصرا على إنجاز عابر لمنتخب أو رياضي، بل أصبح يتعلق بمسار متراكم شمل كرة القدم بمختلف فئاتها، والرياضة النسائية، وكرة القدم داخل القاعة، وعددا من الرياضات الفردية، بالتوازي مع استثمارات كبيرة في المنشآت والتجهيزات والاستعداد لتنظيم تظاهرات قارية ودولية كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030.

هذا الصعود الرياضي لم يجد إلى الآن ما يوازيه في الإعلام الرياضي المغربي. فقد تطورت البنية الرياضية بوتيرة أسرع بكثير من تطور النموذج الإعلامي الذي يتابعها.

صحيح أن العرض الإعلامي الرياضي اتسع، وأن القنوات والإذاعات والمواقع والمنصات الاجتماعية تخصص مساحات متزايدة للرياضة، كما أن الدولة نفسها تتجه إلى توسيع العرض السمعي البصري الرياضي، لكن الزيادة في عدد الوسائط لا تعني بالضرورة تحولا في طبيعة المحتوى الذي تنتجه.

فلا يزال جزء واسع من الإعلام الرياضي المغربي يتحرك داخل النموذج التقليدي نفسه: المباراة، النتيجة، التشكيلة، تصريح المدرب، التحكيم، الانتقالات، وردود فعل الجمهور. وهي عناصر لا غنى عنها في التغطية الرياضية، لكنها لم تعد كافية لفهم ما أصبحت تمثله الرياضة في المغرب.

إن الرياضة الحديثة لم تعد مجرد منافسة داخل الملعب. بل أضحت بمثابة قطاع اقتصادي وصناعة للترفيه وسوق للإشهار والرعاية وحقوق البث، وهي أيضا مجال للتكوين والاستثمار والسياحة والتسويق الترابي، وأداة للدبلوماسية وصناعة الصورة والقوة الناعمة. وخلف كل مباراة شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات والتمويلات والاستثمارات والقرارات التي أصبحت تحتاج إلى إعلام يستطيع تفسيرها ومتابعتها وتحليل نتائجها.

هذا التحول واضح بشكل خاص في المغرب. فالاستثمار المتسارع في الملاعب والبنيات التحتية، واحتضان المنافسات الدولية، وتطور مراكز التكوين، واتساع الحضور الدولي لكرة القدم المغربية، كلها حولت الرياضة من نشاط تنافسي إلى أحد مكونات السياسة العمومية والصورة الخارجية للبلد. ومع ذلك، لا يزال المحتوى الذي يتناول اقتصاد الرياضة أو حكامة الأندية والجامعات أو التمويل أو تكوين اللاعبين أو الطب الرياضي أو تحليل البيانات أو مردودية المنشآت محدودا مقارنة بالحجم الهائل للمحتوى المرتبط بالنتيجة والتصريح ورد الفعل.

وهنا يظهر أحد أوجه الجمود الأساسية. فالرياضة المغربية أصبحت تنتج واقعا جديدا، بينما لا يزال جزء مهم من الإعلام يصف سطح هذا الواقع أكثر مما يفسر بنيته.

ويضاف إلى ذلك الاختزال شبه الدائم للرياضة في كرة القدم. ورغم أنه لا غرابة في أن تستحوذ كرة القدم على النصيب الأكبر من التغطية، باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية والأكثر جذبا للجمهور والمعلنين، فإن هذه الهيمنة تتحول إلى مشكلة عندما تصبح الرياضات الأخرى مرتبطة إعلاميا فقط بلحظات الإنجاز. يظهر العداء عندما يفوز، والملاكم عندما يبلغ النهائي، والمنتخب النسوي عندما يشارك في بطولة كبرى، ثم تختفي الرياضة نفسها من المتابعة اليومية بمجرد انتهاء الحدث.

وهكذا يدخل الإعلام والجمهور في حلقة مغلقة. تُهمَل بعض الرياضات لأنها لا تمتلك جمهورا كبيرا، ولا يتشكل لها جمهور كبير لأن الإعلام يهملها ولا يمنحها حضورا منتظما. وقد أظهرت تجربة كرة القدم النسائية أن التغطية المكثفة قادرة بنفسها على خلق الاهتمام وتوسيعه. فالجمهور لا يحدد وحده أجندة الإعلام؛ بل إن الإعلام يساهم بدوره في تشكيل اهتمامات الجمهور.

غير أن التحول الأعمق الذي يواجه الإعلام الرياضي المغربي يأتي من خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية. فقد أصبح الهاتف المحمول هو الملعب الإعلامي الحقيقي. اللاعب يتحدث مباشرة إلى جمهوره، والنادي ينشر أخباره وصوره، والمشجع الموجود في المدرجات يتحول إلى ناقل للحدث، وصانع المحتوى يقدم تحليلاته وتعليقاته، وصفحات التواصل الاجتماعي تنشر اللقطة والتصريح والخبر في لحظته.

ولذلك فقد الصحفي الرياضي التقليدي احتكاره القديم للمعلومة الرياضية. ولم يعد بإمكان المؤسسة الإعلامية أن تكتفي بالسبق الخبري البسيط لأنها تنافس آلاف الهواتف والحسابات والصفحات التي تستطيع الوصول إلى الجمهور قبلها.

هذا التحول لا يلغي دور الصحفي، بل يعيد تعريفه. فكلما أصبحت المعلومة الخام متاحة للجميع، وارتفعت قيمة ما لا يستطيع الجميع إنتاجه: التحقيق، والتحقق، والسياق، والبيانات، والوصول إلى الوثائق والمصادر، والقدرة على ربط الوقائع ببعضها وتحويلها إلى معرفة.

أما عندما يقدم الصحفي المادة نفسها التي يقدمها صانع المحتوى، وبالسرعة نفسها تقريبا، فلا يبقى هناك أي فرق واضح بين مهنة يفترض أن تقوم على أدوات ومعايير وبين نشاط يستطيع أي مستخدم القيام به من هاتفه.

ويمكن ملاحظة الجمود أيضا في طبيعة النقاش الرياضي نفسه. فما يزال جزء من البرامج والمنصات يقوم على الإثارة والصدام وتبادل الأحكام أكثر مما يقوم على التحليل. ونحن نرى كيف تتحول الهزيمة بسرعة إلى محاكمة، والانتصار إلى احتفال مبالغ فيه، والتحكيم إلى قضية مركزية، والمدرب أو اللاعب إلى متهم أو بطل بحسب نتيجة مباراة واحدة.

هذا النوع من المحتوى يحقق التفاعل، لكنه لا ينتج بالضرورة معرفة رياضية. بل قد يزيد أحيانا من توتر الجمهور ومنطق الاستقطاب بين الأندية والجماهير. وفي المقابل، تظل الأسئلة الأكثر أهمية أقل حضورا: كيفية إدارة الأندية، ومردودية مراكز التكوين، وتوزيع المنشآت الرياضية بين الجهات، وتمويل الجامعات، واقتصاد المباريات، وسوق انتقال اللاعبين، وحجم الرعاية، وأثر الرياضة في التشغيل والسياحة، والنتائج الفعلية للاستثمارات العمومية.

والمفارقة أن المغرب يمتلك اليوم مادة غنية جدا لإنتاج صحافة رياضية من نوع جديد. فهناك ملاعب جديدة، وأكاديميات، ومشاريع استثمارية، وتحولات في سوق اللاعبين، وتزايد في التظاهرات الدولية، وتطور للرياضة النسائية، وتجارب محلية تستحق المتابعة، إضافة إلى الاستعداد لكأس العالم 2030 بما يحمله من رهانات مالية وتنظيمية وترابية ضخمة.

كما أن توسيع العرض التلفزيوني الرياضي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تعريف وظيفة الإعلام الرياضي، وليس فقط لزيادة عدد المباريات المنقولة. فالساعات الإضافية من البث يمكن أن تتحول إلى وثائقيات وتحقيقات وبرامج بيانات واقتصاد رياضي ومتابعة للرياضة المدرسية والجامعية والنسوية والجهوية، وإلى فضاء لاكتشاف المواهب والرياضات التي لا تجد عادة طريقها إلى الشاشة.

لكن هذا التحول يحتاج إلى تغيير في تصور الوظيفة الإعلامية نفسها. فالإعلام الرياضي لم يعد مجرد وسيط بين الملعب والمشجع، بل أصبح مطالبا بأن يكون وسيطا بين الرياضة والمجتمع.

ومع اقتراب كأس العالم 2030 سيصبح هذا التحول أكثر إلحاحا. فالمغرب لا يستعد فقط لاستقبال مباريات، بل لإدارة حدث عالمي سيضع مدنه وبنياته التحتية واقتصاده وثقافته وجمهوره تحت أنظار العالم. وستصبح الرياضة في تلك اللحظة جزءً من سردية البلد عن نفسه.

ولهذا فإن تحديث الملاعب والطرق والمطارات والفنادق لن يكون كافيا إذا ظل الخطاب الإعلامي الرياضي محصورا في الأدوات نفسها التي كان يستخدمها عندما كانت الرياضة مجرد صفحة أخيرة في الجريدة أو برنامجا أسبوعيا بعد نشرة الأخبار.

لقد انتقلت الرياضة المغربية إلى مرحلة جديدة، لكن الإعلام لم ينجز الانتقال نفسه بعد. توسعت الوسائط، وتزايدت ساعات البث، وتضاعف عدد المواقع والحسابات، غير أن القيمة المضافة التحريرية لم تتطور بالوتيرة ذاتها.

الرهان الحقيقي لم يعد في نقل مزيد من المباريات أو إنتاج مزيد من الأخبار، بل في بناء إعلام يستطيع فهم الرياضة باعتبارها اقتصادا وسياسة عمومية وصناعة وثقافة وقوة ناعمة، ويستطيع أن يحول وفرة الأحداث إلى معرفة.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *