تستقبل المدرسة المغربية موسم 2026-2027 بميزانية غير مسبوقة تقريباً، وبشبكة تتوسع، وفي صلب كل ذلك يوجد برنامج «مدارس الريادة» الذي خرج من طور التجريب المحدود ليدخل مرحلة التعميم الواسع. وبالطبع، فعلى الورق، تبدو صورة الإصلاح واضحة: موارد أكبر، مؤسسات أكثر، تعليم أولي أوسع، دعم اجتماعي ممتد، وبرامج جديدة لتحسين التعلمات. لكن قيمة كل ذلك لا تُقاس بما أُضيف إلى المنظومة، وإنما بما تغيّر داخلها.

خلال الموسم السابق، استقبلت المنظومة التعليمية نحو 8.27 ملايين تلميذ بمختلف الأسلاك، منهم أكثر من 7.4 ملايين في التعليم العمومي. وكان هؤلاء موزعين على أكثر من 12 ألف مؤسسة تعليمية، يؤطرهم قرابة 299 ألف أستاذ.
ومن حيث الولوج، قطع المغرب مسافة مهمة. فقد توسعت شبكة المؤسسات، وارتفعت نسب التمدرس، وتراجعت أعداد الأطفال الموجودين خارج المدرسة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين. ولم تعد المشكلة الأساسية، كما كانت في مراحل سابقة، هي مجرد العثور على مقعد داخل القسم.
لكن نجاح المدرسة لا يبدأ عند باب المؤسسة ولا ينتهي بتسجيل الطفل فيها. بل إن المعضلة الأصعب تظهر بعد ذلك: ماذا يتعلم؟
وهنا تكشف الاختبارات الدولية عن فجوة كبيرة بين التمدرس والتعلم. ففي تقييم PISA لسنة 2022، لم يبلغ الحد الأدنى من الكفاية في الرياضيات سوى 18 في المائة من التلاميذ المغاربة المشاركين، ولم تتجاوز النسبة 19 في المائة في القراءة و25 في المائة في العلوم.
بمعنى آخر، فقد ظل أكثر من ثلاثة أرباع التلاميذ دون المستوى الأساسي المتوقع في المجالات الثلاثة. وتقود تقديرات البنك الدولي إلى الاستنتاج نفسه من زاوية أخرى: نحو ستة أطفال مغاربة من كل عشرة في سن العاشرة لا يتمكنون من قراءة نص بسيط وفهمه بالمستوى المنتظر في هذه السن.
هذه هي العقدة التي يحاول الإصلاح الحالي الاقتراب منها. فبرنامج «مدارس الريادة» لا يقوم أساساً على بناء مؤسسات جديدة تحمل اسماً مختلفاً، بل على تغيير طريقة التعامل مع التعثر الدراسي داخل المؤسسة الموجودة. ويبدأ الأمر بتشخيص المستوى الحقيقي للتلميذ، ثم تنظيم التعلم انطلاقاً من حاجاته الفعلية، مع دعم علاجي مكثف وتقييم منتظم للتقدم المحرز.
وخلال أربع سنوات فقط، اتسع البرنامج بوتيرة لافتة. فقد بدأ بنحو 626 مدرسة ابتدائية في موسم 2023-2024، ثم انتقل إلى 2,626 مدرسة في السنة التالية، وإلى 4,626 في موسم 2025-2026، قبل أن يصل في الموسم الجديد إلى 6,626 مدرسة ابتدائية، إضافة إلى 1,286 إعدادية.
ولعل هذه القفزة الكمية تغير طبيعة المشروع نفسه. فحين كان البرنامج يطبق في بضع مئات من المؤسسات، كان من الممكن النظر إليه كتجربة قابلة للمراقبة والتصحيح. أما حين يقترب من تغطية جزء واسع من شبكة التعليم العمومي، فإنه يتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على نقل النموذج من نطاق محدود إلى منظومة ضخمة ومتفاوتة الظروف. وهذا الانتقال من التجريب إلى التعميم هو اللحظة التي تبدأ فيها الصعوبات الحقيقية.
فالطريقة التي تنجح داخل مئات المؤسسات تحت تأطير مكثف لا تضمن النتائج نفسها عندما تتسع إلى آلاف المدارس وعشرات الآلاف من المدرسين وملايين التلاميذ. ذلك أن كل توسع يضعف، نظرياً، القدرة على المتابعة الدقيقة، ويزيد الحاجة إلى التكوين والمواكبة والتقييم، ويرفع مخاطر تحول البرنامج إلى مجرد تسمية إدارية إذا لم تحافظ آلياته الأساسية على فعاليتها.
ومع ذلك، تبدو النتائج الأولية مشجعة. فالتقييمات التي قدمها البنك الدولي حول التجربة تشير إلى تحسن واضح في أداء التلاميذ المستفيدين، وإلى تفوقهم على نسبة كبيرة من أقرانهم في المؤسسات المقارنة.
لكن النتائج الأولية لا تحسم النقاش. فهي تثبت أن النموذج قادر على تحقيق أثر، لكنها لا تثبت بعد أن الأثر نفسه سيبقى بالحجم ذاته بعد التوسع السريع. وهذا هو أحد رهانات موسم 2026-2027.
فبرامج سنة 2026 تستهدف إحداث نحو 4,800 قسم جديد، بما يرفع العدد الإجمالي إلى قرابة 40 ألف قسم، ويجعل عدد الأطفال المستفيدين يتجاوز المليون. وليست المسألة مجرد توسيع عرض مدرسي نحو أعمار أصغر. فجزء مهم من التعثر الذي يظهر لاحقاً في الابتدائي يبدأ قبل ذلك، حيث أن الطفل الذي يصل إلى التعليم الأساسي وهو يفتقر إلى المهارات اللغوية والمعرفية الأولية يدخل سباقاً لا يبدأ فيه من الخط نفسه مع بقية زملائه، ثم تتراكم الفجوات سنة بعد أخرى. ولهذا فإن توسع التعليم الأولي يمثل، من الناحية التربوية، محاولة لنقل جزء من الإصلاح إلى ما قبل ظهور المشكلة.
لكن كل هذه التحولات تحتاج، بالطبع، إلى تمويل. وفي 2026، بلغت ميزانية التربية الوطنية والتعليم الأولي نحو 97.1 مليار درهم، مقابل قرابة 85.6 ملياراً في السنة السابقة. أي أن الدولة أضافت أكثر من 11 مليار درهم إلى الاعتمادات المخصصة للقطاع خلال سنة واحدة.
وهذا رقم كبير، لكنه لا يقول وحده ما إذا كانت المدرسة تتحسن. فالإنفاق على التعليم يمكن أن يرتفع بسبب البنايات، أو المعدات، أو التوسعات، أو برامج الدعم، دون أن يظهر أثره سريعاً في نتائج التعلم. ولهذا لا ينبغي التعامل مع زيادة الميزانية بوصفها نتيجة، وإنما بوصفها مورداً يجب قياس ما أنتجه. ذلك أن المال يشتري الوسائل، لكنه لا يشتري النجاح بصورة آلية. وهذه مسألة أساسية في تقييم السياسات العمومية إذ أن الإنفاق يصبح ذا معنى عندما يمكن ربطه بمؤشرات قابلة للملاحظة.
وعلى صعيد مختلف، يمثل الهدر المدرسي اختباراً آخر لهذه العلاقة بين الموارد والنتائج. فرغم التحسن التاريخي في نسب التمدرس، ما يزال نحو 270 ألف تلميذ، وفق تقديرات اليونسكو، يغادرون المدرسة سنوياً قبل إكمال مسارهم الدراسي. ولا يرتبط الانقطاع دائماً بما يحدث داخل الفصل. ففي مناطق كثيرة، يدخل في المعادلة بعد المؤسسة عن السكن، وغياب النقل، وهشاشة الأسرة، وتكاليف الدراسة غير المباشرة، والحاجة المبكرة إلى العمل.
وربما لهذا توسعت كذلك أدوات الدعم الاجتماعي. ففي الموسم السابق استفاد نحو 3.4 ملايين تلميذ من منحة الدخول المدرسي، واستفاد قرابة 700 ألف من النقل المدرسي، فضلاً عن الإطعام والداخليات ومختلف أشكال الإسناد الموجهة، خصوصاً، إلى الوسط القروي. كما ارتفع عدد المدارس الجماعاتية، التي تحاول معالجة إحدى المشكلات البنيوية للتعليم القروي، والمتمثلة في وجود تلاميذ موزعين على تجمعات سكانية صغيرة ومتباعدة تجعل توفير مؤسسة كاملة وقريبة من كل أسرة أمراً بالغ الصعوبة.
غير أن الدعم الاجتماعي وتحسين التعلمات يعالجان مشكلتين مختلفتين يجب أن تلتقيا. فالطفل قد يتوقف عن الدراسة لأنه لا يستطيع الوصول إلى المدرسة، وقد يبقى فيها سنوات من دون أن يكتسب ما يفترض أن يتعلمه. وفي الحالة الأولى لا تكفي بيداغوجيا أفضل، كما لا يكفي في الثانية النقل ولا الإطعام.
من هنا تبدو المدرسة منظومة أكثر تعقيداً من أن يصلحها إجراء واحد. فهي تحتاج إلى أستاذ قادر على التدريس، وتلميذ قادر على الوصول إلى القسم، وأسرة تستطيع إبقاء ابنها في المدرسة، ومؤسسة مجهزة، ومناهج ناجعة، وإدارة تستطيع المتابعة، ونظام تقويمي يكتشف الفشل قبل أن يتحول إلى هدر مدرسي.
ولهذا تبدو قيمة موسم 2026-2027 مختلفة عن مواسم سابقة. فبعد سنوات من الإعلان والتجريب والتوسع، أصبح من الممكن الانتقال تدريجياً من سؤال: ماذا تفعل الدولة لإصلاح التعليم؟ إلى سؤال أكثر صرامة: ماذا أنتج ما فعلته الدولة؟ فالمغرب يخصص اليوم للقطاع نحو 97 مليار درهم. ومدارس الريادة تبلغ 6,626 مؤسسة ابتدائية. والتعليم الأولي يقترب من مليون طفل. والدعم الاجتماعي يصل إلى ملايين التلاميذ. وهذه كلها مؤشرات دالة على حجم التدخل دون شك. لكنها ليست، في حد ذاتها، مؤشرات على جودة النتيجة. بل إن المؤشر الحاسم سيظهر داخل القسم حين يصبح التلميذ الذي كان لا يقرأ قادراً على القراءة، والذي كان يتعثر قادراً على اللحاق بزملائه، والذي كان معرضاً للمغادرة قادراً على إكمال دراسته. وعندها فقط سيكون ممكناً القول إن المدرسة المغربية لم تتوسع فحسب، بل تغيرت فعلاً.
