هكذا جَنَّب محمد السادس المغرب سكتة اقتصادية

في أكتوبر 1995، تحدث الملك الحسن الثاني أمام البرلمان عن تقرير كان قد طلبه من البنك الدولي لتشخيص أوضاع التعليم والإدارة والاقتصاد المغربي. كان المغرب آنذاك قد نجح في استعادة قدر من التوازن المالي بعد أزمة الثمانينيات، لكنه لم يكن بعدُ قد نجح في تحويل ذلك الاستقرار إلى نمو قوي، وإدارة فعالة، وتعليم قادر على إعداد البلاد للمنافسة. ولهذا استعمل الملك الحسن الثاني تعبيراً سيبقى راسخاً في الذاكرة السياسية المغربية: خطر الإصابة بـ«السكتة القلبية». ولم يكن المقصود حينها، بالطبع، انهياراً وشيكاً للدولة، وإنما وصول نموذج اقتصادي واجتماعي بكامله إلى حدود عجزه عن الاستمرار.

بعد أربع سنوات من ذلك توفي الملك الحسن الثاني في صيف 1999. وعندما اعتلى ولي عهده العرش، لم يكن المغرب بالتأكيد بلداً مفلساً، لكنه كان مهدداً بالبقاء على هامش التحولات الكبرى التي كانت تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. فقد كانت العولمة تتسارع، والشراكة مع أوروبا تفتح السوق المغربية أمام منافسة أقوى، بينما كانت أجزاء واسعة من العالم القروي لا تزال محرومة من الكهرباء والطرق والخدمات الأساسية. ولم تكن المشكلة في غياب الاستقرار السياسي وحده، بل في احتمال تحول الضعف الاجتماعي، وانغلاق التراب الوطني، وهشاشة النسيج الإنتاجي، إلى عوائق دائمة أمام النمو.

لهذا لم يكن تفادي السكتة القلبية نتيجة قرار واحد، ولا ثمرة مشروع منفرد، بل حصيلة بناء تدريجي لجهاز اقتصادي جديد: طرق وموانئ ومناطق صناعية، وربط للعالم القروي، وتنويع للصادرات، وتوسيع لقدرة الدولة على التدخل عند وقوع الأزمات.

وبالتدريج، بدأ التحول من داخل التراب الوطني نفسه لتظهر النتائج بعد سنوات في ظل العهد الجديد. فقد ارتفعت نسبة كهربة العالم القروي من 18 في المائة سنة 1995 إلى 99.5 في المائة سنة 2017، ووصلت الكهرباء إلى أكثر من 42 ألف قرية ونحو 2.1 مليون أسرة. وحتى إذا كان صحيحا أن البرنامج أُطلق قبل اعتلاء محمد السادس العرش، فإن العهد الجديد واصل تنفيذه ووسَّعه حتى اقترب المغرب من تعميم الولوج إلى الكهرباء.

وبالطبع، فالكهرباء لا تمثل مجرد خدمة اجتماعية؛ وإنما هي شرط اقتصادي، إذ أن القرية المرتبطة بالطاقة والطريق والاتصالات تصبح أكثر قدرة على استقبال النشاط التجاري، وتخزين المنتجات، وتشغيل التجهيزات، وربط السكان بالمدارس والأسواق والإدارة. ومن هنا كان فك العزلة جزءً لا يتجزأ من إعادة إدماج المغرب المنسي في الدورة الاقتصادية الوطنية.

غير أن ربط القرى والمدن ببعضها لم يكن مع ذلك كافياً. فقد كان على المغرب أن يربط اقتصاده بالعالم. وهنا ظهرت إحدى أكثر الرؤى الاستراتيجية وضوحاً في عهد الملك محمد السادس: بناء خريطة جديدة للموانئ الكبرى. وهنا، لم تكن المسألة مجرد توسيع أرصفة قديمة، بل كان الرهان على الانتقال إلى منظومة مينائية موزعة على ستة أقطاب كبرى، ومتخصصة بحسب الموقع والوظيفة الاقتصادية. وقد ضمت هذه الرؤية طنجة المتوسط في الشمال، والناظور غرب المتوسط في الشرق، والدار البيضاء والجرف الأصفر في الوسط، وآسفي وأكادير على الأطلسي، ثم ميناء الداخلة الأطلسي بوصفه بوابة مستقبلية نحو غرب إفريقيا. وحددت هذه الاستراتيجية المينائية في أفق 2030 ستة أقطاب وبرنامجاً استثمارياً ضخماً لتكييف الموانئ المغربية مع نمو التجارة العالمية وتحول أحجام السفن وسلاسل الإمداد.

نعم، كان ميناء طنجة المتوسط أول برهان كبير على نجاح هذا التصور، لكنه لم يكن التصور كله. فالقيمة الحقيقية للخطة تكمن في توزيع الوظائف بين الموانئ وربط كل واحد منها بظهير صناعي ولوجستي: ميناء للحاويات والتصنيع في الشمال، وآخر للطاقة والصناعة في الشرق، وأقطاب للفوسفاط والمواد السائبة في الجرف الأصفر وآسفي، ومنفذ للصادرات الزراعية والسمكية في أكادير، وبوابة أطلسية جديدة في الداخلة. وبهذا المعنى، لم تعد السواحل مجرد حدود تنتهي عندها اليابسة المغربية، بل تحولت إلى بنية اقتصادية تربط مناطق الإنتاج بالأسواق العالمية. كما لم يعد الموقع الجغرافي للمغرب مجرد حقيقة في الخرائط، بل صار أصلاً اقتصادياً قابلاً للاستثمار.

لكن الميناء وحده لا يصنع الاقتصاد. فهو يحتاج إلى مصانع تنتج، وطرق وسكك تنقل، وإدارة جمركية تيسر العبور، ومناطق صناعية تجذب المستثمرين. ومن هنا انتقل المغرب تدريجياً من اقتصاد يعتمد أساساً على الفوسفاط والزراعة والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إلى اقتصاد يضيف إلى كل ذلك صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والخدمات الموجهة إلى التصدير. وبلغت صادرات قطاع السيارات سنة 2024 مستوى قياسياً قدره 157 مليار درهم، بعدما ارتفعت بنسبة تراكمية بلغت 148 في المائة خلال أقل من عشر سنوات. ولم يعد المغرب مجرد سوق تستورد السيارات، بل أصبح قاعدة إفريقية للإنتاج والتجميع وصناعة المكونات والتصدير.

هذه النقلة تبقى، في الواقع، أهم من الرقم نفسه. فالاقتصاد الذي يعتمد على عدد محدود من مصادر العملة الصعبة يكون معرضاً للسكتة عند تراجع السياحة، أو انخفاض أسعار الفوسفاط، أو حدوث موسم فلاحي سيئ. أما تنويع الصادرات فيوزع المخاطر ويمنح البلاد مصادر متعددة للدخل والتشغيل والاندماج الدولي.

ولعل جائحة كوفيد-19 كانت الاختبار الأشد وضوحاً لهذه القدرة الجديدة. فقد دخل المغرب سنة 2020 أول ركود اقتصادي له منذ 1995، وتضررت السياحة والصناعة والنقل والتجارة، وارتفعت البطالة بقوة. لكن الدولة استطاعت التدخل مالياً ونقدياً، وإنشاء صندوق خاص، ودعم الأسر والمقاولات، وتوفير الضمانات البنكية، ثم إطلاق صندوق محمد السادس للاستثمار.ورغم أن هذه التدابير لم تمنع الانكماش، فإنها منعت الصدمة الصحية من التحول إلى انهيار مالي واجتماعي شامل. وهنا يظهر المعنى الحقيقي لتجنب السكتة القلبية، إذ لا يتعلق الأمر بمنع الأزمات، لأن الدول لا تتحكم في الجوائح ولا في الجفاف ولا في الزلازل ولا في أسعار الطاقة العالمية، وإنما يتعلق ببناء اقتصاد ومؤسسات واحتياطيات تسمح للدولة بأن تستمر في الوقوف عندما تقع الأزمة.

وقد وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربي مراراً بأنه أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات. ففي سنة 2023، ورغم الجفاف وزلزال الحوز والظروف الخارجية الصعبة، نما الاقتصاد بنحو 3 في المائة، وغطت احتياطيات النقد الأجنبي قرابة خمسة أشهر ونصف من الواردات. وفي سنة 2024، واصل الاقتصاد الصمود رغم سنة جديدة من الجفاف، مسجلاً نمواً يناهز 3.2 في المائة وفق تقديرات الصندوق.

غير أن بناء الطرق والموانئ والمصانع لم يكن كافياً لإغلاق كل منافذ الخطر. فقد ظل جزء واسع من المجتمع معرضاً للمرض وفقدان الدخل والفقر. ولهذا جاء ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره محاولة لإضافة شبكة أمان اجتماعية إلى البنية الاقتصادية التي شُيدت خلال العقدين السابقين.

إن الدولة التي لا تحمي مواطنيها من السقوط عند المرض أو البطالة تظل معرضة لأزمة اجتماعية حتى ولو امتلكت موانئ ومصانع متطورة. ولذلك تمثل الحماية الاجتماعية امتداداً منطقياً للتحول: بعد ربط التراب بالماء والكهرباء والطرق، وربط الاقتصاد بالأسواق العالمية، أصبح المطلوب ربط المواطن نفسه بمنظومة للحماية من الصدمات.

لكن القول بأن الملك محمد السادس جنّب المغرب السكتة القلبية لا يعني أن الاقتصاد المغربي أصبح سليماً تماماً. فالبطالة ما تزال مع ذلك مرتفعة، وبلغت 13.3 في المائة في نهاية 2023، كما استمرت الفوارق بين المدن والأرياف، وظلت نتائج التعليم والصحة أقل من حجم الموارد المرصودة لهما. وتُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الفقر المطلق انخفض من 4.8 في المائة سنة 2014 إلى 3.9 في المائة سنة 2022، لكنه بقي عند 6.9 في المائة في العالم القروي، بينما ارتفع مؤشر جيني لقياس التفاوت من 39.5 إلى 40.5 في المائة خلال الفترة نفسها. وهذا يعني أن المغرب حقق تقدماً، لكنه لم ينجح بعد في توزيع ثمار ذلك التقدم بالقدر نفسه بين الفئات والمجالات.

لقد تجنب المغرب السكتة، لكنه لم يتخلص من جميع أمراضه المزمنة. فقد صار أكثر ارتباطاً، وأكثر تصنيعاً، وأكثر قدرة على التصدير وامتصاص الصدمات، لكنه ما يزال مطالباً بتحويل هذا التراكم المادي إلى وظائف أكثر، ومدارس أفضل، ومستشفيات أكثر كفاءة، وعدالة مجالية أوسع.

ومع ذلك، فإن المقارنة بين مغرب نهاية التسعينيات ومغرب اليوم تكشف تحوّلاً لا يمكن اختزاله في أرقام منفصلة. فقد تغيرت وظيفة الدولة الاقتصادية، وتغيرت علاقة البلاد بموقعها الجغرافي، وتغيرت تركيبة صادراتها، واتسعت قدرتها على التدخل عند وقوع الأزمات.

وعليه، يمكن القول إن الملك محمد السادس لم يُنقذ المغرب بضربة سحرية واحدة، بل أشرف على بناء شرايين جديدة للاقتصاد: طرق تصل الجهات، وموانئ تصل المغرب بالعالم، وصناعات تجلب العملة والتكنولوجيا، واحتياطيات تمنح الدولة وقتاً للمناورة، وشبكات حماية تحاول منع المجتمع من الانهيار تحت وقع الصدمات. وهكذا، فإن السكتة القلبية التي كان يخشاها المغرب في منتصف التسعينيات لم تُمنع بإخفاء أعراض المرض، بل بتغيير جزء مهم من البنية التي كانت تنتجه. أما التحدي المقبل، فلم يعد مجرد إبقاء القلب نابضاً، بل جعله يضخ التنمية بكفاءة أكبر إلى جميع مناطق البلاد وفئاتها.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *