عبد الرحيم الوالي
بينما كان الملك محمد السادس يلقي خطاب العرش، ويتحدث عن الاستقرار الذي ينعم به المغرب باعتباره «رأسمالاً استراتيجياً»، كان آلاف المغاربة يتجهون نحو سبتة، في موجة ستبلغ ذروتها في اليوم التالي، يوم عيد العرش نفسه!
يبدو المشهدان، للوهلة الأولى، متناقضين: دولةٌ تحتفي باستقرارها، وتُفَاخِرُ به، ومواطنون يخاطرون بأنفسهم لعبور حدودها. لكن هذا التناقض بين المُفَاخَرَة والمُخاطَرة قد يكون ظاهرياً فقط. فالمغرب مستقر بالفعل، غير أن الاستقرار شيء والطمأنينة شيء آخر.

بالطبع، يمكن البحث عمن حرَّض، وعمن نظم، وعمن استغل المناسبة. بل يمكن حتى افتراض وجود محاولة مقصودة للإساءة إلى المغرب في ذلك اليوم الذي يحمل رمزية سياسية كبيرة. لكن ذلك، حتى لو ثبت، لا يجيب عن السؤال الأصعب: لماذا وجد أي تحريض محتمل آلاف الأشخاص المستعدين للاستجابة له؟ فالمؤامرة، إن وجدت، تستطيع استغلال القلق، لكنها لا تستطيع اختراعه من العدم.
ولربما كان هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه واقعة سبتة. فبدل أن نسأل فقط عما إذا كان أحد ما حاول ضرب الاستقرار المغربي، ينبغي أن نسأل أيضاً عما إذا كان الاستقرار الذي نجح المغرب في بنائه قد تحول بالقدر الكافي إلى طمأنينة يعيشها المغاربة في حياتهم اليومية.
ليس الاستقرار والطمأنينة شيئاً واحداً. فالاستقرار حالة تتعلق بالدولة والمجتمع في كليتهما. والبلد يكون مستقراً عندما تستمر مؤسساته في العمل، ويحافظ على النظام العام، ويستمر اقتصاده، ولا تهدده الحرب الأهلية أو الانقلابات أو انهيار أجهزة الدولة. وبهذا المعنى، لا يبدو وصف الاستقرار بأنه «رأسمال استراتيجي» مجرد تعبير سياسي. ففي منطقة عاشت خلال ربع القرن الأخير حروباً أهلية، وانهيار دول، وثورات واضطرابات أمنية وسياسية عنيفة، استطاع المغرب الحفاظ على استمرارية مؤسساته وتجنب كثير من الهزات التي ضربت محيطه. وهذا واقع لا ينكره حتى المتآمرون إذ لولاه لما كان هناك ما يدفعهم أصلا إلى التآمر على المغرب.
لكن الطمأنينة ـ مع ذلك ومع الإقرار التام به! ـ تبقى مفهوما آخر. فهي لا تُقاس فقط من خلال مؤشرات الدولة، وإنما من داخل حياة الإنسان نفسه. والمواطن يكون مطمئنا عندما يستطيع أن ينظر إلى السنوات المقبلة دون خوف دائم من أن يفقد كل شيء، أي عندما يعتقد أنه سيجد عملاً، وأن دخله سيسمح له بالعيش الكريم، وأن المرض لن يدمر أسرته، وأن أبناءه سيحصلون على تعليم يمنحهم فرصة أفضل، وأن امتلاك السكن وتكوين الأسرة حق أساسي، مشروع ومضمون فعليا، وليسا بمثابة حلمَين بعيدين، وأن الاجتهاد والكفاءة يمكن أن يغيرا موقعه الاجتماعي نحو الأفضل، وأن الزبونية والمحسوبية، والولاءات القبلية والحزبية، والمؤخرات السيليكونية، لا يمكنها أن تحول دون ذلك.
وبصيغة أكثر اختصارا، فالاستقرار هو ألا تكون الدولة مهددة بالانهيار، أما الطمأنينة فهي ألا يشعر المواطن بأن حياته مهددة بالانهيار.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في المغرب الراهن. فالمملكة تغيرت، بالفعل، كثيراً خلال ربع القرن الأخير: شُيدت الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، وتطورت شبكات النقل والاتصالات، وظهرت صناعات جديدة، وتضاعفت قدرة البلاد على التصدير وجذب الاستثمار. وأصبح المغرب يصنع السيارات والطائرات ومكوناتها، ويبني منظومات للطاقة المتجددة، ويربط اقتصاده بصورة متزايدة بسلاسل القيمة العالمية.
هذه تحولات حقيقية، ولا معنى ولا مجال لإنكارها. لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود المؤشرات الاقتصادية الكبرى. فما تحققه الدولة والاقتصاد لا ينتقل بالضرورة، وبالسرعة نفسها، إلى الإحساس الفردي بالأمان.
وهكذا يسهل أن ترى مثلا جملة من المعطيات الدالة. ففي سنة 2025، ظل معدل البطالة في المغرب في حدود 13 في المائة، بينما تجاوز 37 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة. وهذه الأرقام لا تعني أن أكثر من ثلث الشباب المغربي عاطل، لأن معدل البطالة يحتسب داخل السكان النشطين فقط، لكنها تكشف مع ذلك صعوبة حقيقية يواجهها الشباب الذين يدخلون سوق العمل.
والمشكلة لا تتوقف، بالتأكيد، عند البطالة. فهناك أيضاً العمل الهش، وضعف الدخل، وصعوبة الولوج إلى السكن، والقلق المرتبط بالصحة، والفوارق بين المجالات، وشباب يوجدون خارج العمل والتعليم والتكوين، والفساد الإداري، والشعور العام بأن المواطن بدون كرامة. وكل واحد من هذه العوامل يقلل، بدرجات مختلفة، من قدرة الإنسان على تصور مستقبله، ومستقبل أبنائه، بثقة.
وهنا ربما ينبغي أن نفهم الهجرة بطريقة مختلفة. فالإنسان لا يهاجر دائماً لأنه جائع، ولا لأن بلده على وشك الانهيار. وقد يهاجر من بلد مستقر، بل ومن اقتصاد ينمو. وما يدفعه أحياناً إلى الرحيل هو اعتقاده بأن المسافة بين ما يطمح إليه وما يستطيع تحقيقه داخل بلده أصبحت أكبر من المسافة التي تفصله عن بلد آخر. بمعنى آخر، فإن الهجرة، في جزء منها، تصبح مسألة توقعات وليست مجرد مسألة فقر.
فالفقير الذي يرى طريقاً معقولاً للخروج من الفقر قد يكون أكثر اطمئناناً من شخص أفضل منه دخلاً لكنه يعتقد أن مستقبله مسدود. والشاب الذي يدرس سنوات ثم لا يرى علاقة واضحة بين شهادته وموقعه في المجتمع قد يشعر بالقلق حتى داخل اقتصاد يسجل نمواً. والأسرة التي تخشى أن يؤدي مرض واحد من أفرادها إلى قلب توازنها المالي لا تعيش الطمأنينة الكاملة، مهما كان البلد مستقراً في المؤشرات الدولية.
ولهذا يبدو إنتاج الطمأنينة أصعب من إنتاج الاستقرار. فالاستقرار يحتاج إلى مؤسسات قوية وقانون وأمن وتوازنات اقتصادية وقدرة على إدارة الأزمات. أما الطمأنينة فهي تحتاج، فوق ذلك كله، إلى أن يشعر المواطن بأن النظام الاقتصادي والاجتماعي يمنحه مكاناً داخله. وقد يكون ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب أحد أهم التحولات في هذا الاتجاه. ففكرة التأمين الصحي والمساعدات الاجتماعية المباشرة تقوم، في جوهرها، على نقل جزء من مخاطر الحياة من الفرد والأسرة إلى المجتمع والدولة. لكن الحماية الاجتماعية، على أهميتها وعلى افتراض نجاحها الفعلي، ليست سوى أحد عناصر الطمأنينة. أما الطمأنينة الكاملة والشاملة فهي تحتاج إلى مدرسة يثق الأب في أنها ستمنح ابنه فرصة، ومستشفى يعرف المريض أنه سيجد فيه العلاج، وسوق عمل يستطيع استيعاب الداخلين إليه، وإدارة يشعر المواطن أمامها بالإنصاف والكرامة، واقتصاد يسمح بالحركية الاجتماعية، ومجال ترابي لا يتحول فيه مكان الولادة إلى حكم مسبق على المستقبل.
وهنا يمكن أن نعود إلى مفهوم «الرأسمال الاستراتيجي» الذي ورد في خطاب العرش. فالرأسمال لا تكمن قيمته في امتلاكه فقط، بل في استثماره. وإذا كان المغرب قد راكم خلال العقود الماضية رأسمالاً مهماً من الاستقرار، فإن التحدي الآن هو تحويل هذا الاستقرار إلى طمأنينة. أي تحويل الطريق إلى فرصة، والميناء إلى وظيفة، والاستثمار إلى دخل، والنمو إلى حركية اجتماعية، والتغطية الصحية إلى علاج فعلي، والمدرسة إلى مستقبل يمكن الوثوق به.
من هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة واقعة سبتة باعتبارها دليلاً على أن المغرب بلد غير مستقر. فهو ليس كذلك مهما كانت شطحات العدميين، والظلاميين، ومختلف أصناف المياومين السياسيين. كما لا ينبغي القفز مباشرة إلى اعتبار الواقعة إياها دليلاً على مؤامرة تستهدف المملكة، وإن كان من واجب السلطات البحث في أي تحريض أو تنظيم أو استغلال محتمل لما حدث. فالحدود تستطيع أن تمنع الإنسان من المغادرة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه سبباً للبقاء. والأمن يستطيع حماية المجتمع من الفوضى، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعل الشاب يثق في مستقبله.
ولهذا ربما تكون الرسالة الأهم في واقعة سبتة أبعد بكثير من سبتة نفسها. لقد نجح المغرب، إلى حد كبير، في بناء استقرار الدولة. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن تجعل المواطن يشعر بأن لهذا الاستقرار عائداً مباشراً على حياته ومستقبله. وحتى إن كان المغرب قد راكم، بالفعل، رأسمالاً استراتيجياً اسمه الاستقرار، فإن التحدي التاريخي الآن هو استثمار هذا الرأسمال في إنتاج شيء أكثر صعوبة وأعمق أثراً: الطمأنينة. ذلك أن الدول تستقر عندما تكون مؤسساتها قوية، لكن المجتمعات تطمئن عندما يؤمن الناس بأن غدهم داخل أوطانهم يستحق البقاء من أجله.
