هل يصبح الإعلام الاجتماعي فاعلا في التنمية بالمغرب؟

حتى عهد قريب كان ثمة سؤال يُطرَح بقوة في المغرب. ونعني هنا ما إذا كان المجتمع قد دخل العصر الرقمي أم لا. أما اليوم فإن الأرقام تجاوزت هذا النقاش. ونحن نرى أن عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب، نهاية سنة 2025، قد بلغ نحو 35.5 مليون شخص، بما يمثل 92.2 في المائة من السكان. وفي أكتوبر من السنة نفسها، قُدِّر عدد هويات مستخدمي الإعلام الاجتماعي بنحو 22.8 مليونًا، أي ما يعادل 59.1 في المائة من مجموع السكان و84.5 في المائة من السكان البالغين 18 سنة فما فوق. وخلال سنة واحدة فقط، ارتفع هذا العدد بنحو 1.7 مليون، أي بنسبة 7.8 في المائة. وبالطبع، ينبغي التعامل مع الرقم باعتباره عدد «هويات مستخدمين» لا عدد أشخاص فريدين بالضرورة، بالنظر إلى إمكانية امتلاك الشخص نفسه أكثر من حساب.

هذه الأرقام لا تعبر فقط عن انتشار أدوات جديدة للتواصل. بل إنها تشير إلى تشكل مجال اجتماعي جديد لإنتاج المعلومات والأفكار والصور والمعرفة وتداولها، وإلى انتقال جزء متزايد من النقاش العام والحياة الاقتصادية والثقافية إلى الفضاء الرقمي. ومن المفيد هنا التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تستعمل باعتبارها شيئًا واحدًا: الصحافة، والشبكات الاجتماعية، والإعلام الاجتماعي. فالصحافة نشاط مهني له مؤسساته وممارسوه ووظائفه وقواعده وقوانينُه المنظمة. أما الشبكات الاجتماعية، مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرهما، فهي أدوات ومنصات تقنية تتيح للمستخدمين بناء العلاقات ونشر المحتوى والتفاعل معه، بينما يمثل الإعلام الاجتماعي مجالًا أوسع لإنتاج المحتوى وتداوله والمشاركة فيه، ويمكن أن يشمل الشبكات الاجتماعية والمدونات والمنصات المستقلة والبودكاست والفيديو والمجتمعات الرقمية وغيرها.

وبالتأكيد، لا يلغي هذا المجال الصحافة المهنية ولا يحل محلها. فالصحافة نفسها أصبحت أحد الفاعلين داخله وتستعمل أدواته للوصول إلى جمهورها. فالجديد هو أن القدرة على مخاطبة جمهور واسع لم تعد حكرًا على المؤسسات الإعلامية المهنية، وأصبحت الجماعة الترابية والمقاولة والجامعة والجمعية والباحث والفنان والخبير والمواطن قادرة جميعُها، بدرجات متفاوتة، على إنتاج المحتوى والوصول مباشرة إلى الجمهور.

وتكشف أرقام المنصات عن حجم هذا التحول في المغرب. فقد بلغ جمهور فيسبوك الذي يمكن الوصول إليه إعلانيًا نحو 22.8 مليون مستخدم في أواخر 2025، مقابل 21.6 مليونًا ليوتيوب، و15.1 مليونًا لإنستغرام. كما تشير أدوات تيك توك الإعلانية إلى نحو 16.7 مليون مستخدم بالغ، بينما بلغ عدد أعضاء لينكد.إن المسجلين في المغرب نحو 6.9 ملايين. ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة عدد المستخدمين النشطين شهريًا، كما أن منهجيات القياس تختلف من منصة إلى أخرى، لكنها ـ في كل الأحوال ـ تكشف بوضوح عن حجم الجمهور الذي أصبح بالإمكان الوصول إليه رقميًا .

تأسيساً على ما سبق فالسؤال، إذن، لم يعد: هل يوجد المغاربة في الإعلام الاجتماعي؟ بل أضحى: ماذا يمكن أن يفعل المغرب بهذا الحضور؟ وربما، هنا بالتحديد، تبدأ علاقة الإعلام الاجتماعي بالتنمية في جميع مستوياتها.

فعلى المستوى المحلي، تستطيع الجماعات الترابية الانتقال من نشر البلاغات والوثائق إلى شرح المشاريع والسياسات والميزانيات بلغة يفهمها السكان، وعرض حصيلة العمل، وتلقي الملاحظات، والتعريف بالخدمات والفرص المحلية. ولا يحتاج المواطن، في هذه الحالة، إلى انتظار وسيط ليعرف ماذا يحدث في جماعته؛ وإنما تستطيع المؤسسة نفسها أن تضع المعلومات والوثائق والمعطيات أمامه، بينما يبقى المجال مفتوحًا للنقاش والتقييم والنقد.

والمنطق نفسه ينطبق على الاقتصاد، حيث تستطيع المقاولة الصغيرة أن تصل إلى سوق كان الوصول إليه قبل سنوات يتطلب إمكانات مالية كبيرة. ويمكن لوجهة سياحية محلية أو تعاونية أو حامل مشروع أن يقدم نشاطه مباشرة إلى الجمهور. كما يستطيع الخبير أو الباحث نقل المعرفة من الجامعة ومراكز الدراسات إلى فضاء أوسع، ويمكن للفنان والكاتب والفاعل الثقافي الوصول إلى جمهور لا تحده قاعة العرض أو المكتبة أو المدينة التي يقيم فيها.

وتكتسب هذه الإمكانات أهمية أكبر لأن التحول الرقمي أصبح نفسه جزءً من السياسة التنموية للمغرب. فاستراتيجية “المغرب الرقمي 2030” تجعل الرقمنة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد اعتمد إعدادها، بحسب وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، مقاربة شارك فيها القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني. كما تربط السياسات العمومية الجارية بين الإدارة الرقمية والإدماج الرقمي وتطوير اقتصاد أكثر كفاءة وتنافسية.

غير أن الانتشار الرقمي وحده لا يصنع التنمية. فالقدرة على النشر يمكن أن تنتج المعرفة كما يمكن أن تنتج التضليل، ويمكن أن توسع النقاش العام كما يمكن أن تختزله في الإثارة والاستقطاب. أضف إلى ذلك أن وصول 92.2 في المائة من السكان إلى الإنترنت يعني، في الاتجاه الآخر، أن نحو 3 ملايين شخص ظلوا خارج الإنترنت في نهاية 2025. وذلك دون أن نغفل أن هناك تفاوتاً آخر أقل ظهورًا بين امتلاك الاتصال والقدرة على استخدامه بصورة واعية ومنتجة.

لذلك قد يكون التحدي المقبل أقل ارتباطًا بزيادة عدد الحسابات والمنشورات، وأكثر ارتباطًا بجودة المجال الإعلامي الاجتماعي نفسه. ولعلنا نستطيع القول هنا بأن المغرب يحتاج إلى محتوى يشرح بدل أن يكتفي بالإثارة، وإلى فضاءات رقمية متخصصة تجمع المعرفة بالمعلومة، وإلى حضور أكبر للجامعات والباحثين والمقاولات والمؤسسات والفاعلين المحليين والثقافيين، وإلى أدوات تسمح للرأي العام بأن يكون طرفًا في النقاش لا مجرد رقم في عداد المشاهدات.

لقد أصبحت البنية التقنية موجودة، وأصبح الجمهور موجودًا، وأصبحت المؤسسات نفسها تتحول رقميًا. وقد تكون المرحلة التالية هي الانتقال من مجتمع يستخدم الإعلام الاجتماعي بكثافة إلى مجتمع يوظفه بصورة أفضل. وعندئذ فقط لن يكون الإعلام الاجتماعي مجرد أمكنة افتراضية نقضي فيها جزءً متزايدًا من وقتنا، بل فضاءً لإنتاج المعرفة، وربط المؤسسات بالمواطنين، وتقريب الفاعلين من الرأي العام، وتحويل الاتصال الرقمي إلى مورد من موارد التنمية.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *