لماذا لا يتوقف نزيف المال العام بالمغرب؟

ليست المشكلة في المغرب أن الدولة لا تنفق. فالمغرب يعد من بين البلدان التي تخصص نسباً مرتفعة من ناتجها الداخلي الإجمالي للاستثمار العمومي مقارنة بالعديد من الاقتصادات المشابهة. لكنْ، يجب القول مع ذلك إن المواطن لا يستفيد من مليارات الدراهم التي ترصد على الورق، وإنما من مدرسة جيدة، ومستشفى فعال، وطريق ينجز في موعده، وإدارة تقدم خدمة بجودة وتكلفة معقولتين. وعندما لا يتحقق ذلك، يتحول جزء من المال العام إلى نزيف، حتى وإن لم يكن هناك فساد أو اختلاس بالضرورة.

ولعل تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقدم صورة تستحق التأمل. فقد بلغ الاستثمار العمومي في المغرب سنة 2023 نحو 20.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة تعكس الدور الكبير الذي تضطلع به الدولة في تمويل التنمية. غير أن المنظمة نفسها تشير إلى أن كفاءة هذا الاستثمار لا تواكب حجمه، وتدعو إلى تحسين آليات اختيار المشاريع وتقييمها ومراقبة نتائجها بعد الإنجاز.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. فالمشكلة ليست دائماً في حجم الإنفاق، بل في مردوديته. ولربما كانت الصفقات العمومية تمثل أفضل مثال على ذلك. فهي تشكل ما بين 15 و17 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، أي أنها واحدة من أكبر قنوات تحريك الاقتصاد الوطني. وبالنتيجة، فإن كل خلل في دراسة مشروع، أو في إعداد دفتر التحملات، أو في تنفيذ الأشغال، أو في مراقبتها، لا يظل مجرد خطأ إداري، بل يتحول إلى خسارة اقتصادية يتحملها المجتمع برمته.

وليس ضرورياً أن يكون هناك اختلاس حتى نقول إن المال العام تعرض للهدر. فالمشروع الذي يتأخر سنوات عن موعد تسليمه، وترتفع كلفتُه بسبب مراجعة الأسعار أو تعديل الدراسات، يمثل بدوره شكلاً من أشكال النزيف. والطريق التي تحتاج إلى إصلاح بعد سنوات قليلة من إنجازها، أو التجهيز الذي يقتنى ولا يستعمل، أو البرنامج الذي يستهلك اعتمادات ضخمة دون تقييم حقيقي لنتائجه، كلها صور مختلفة لاستنزاف الموارد العمومية.

إن الفرق بين الفساد والهدر على درجة كبيرة من الأهمية. فالفساد يرتبط غالباً باستغلال المنصب لتحقيق منفعة خاصة خارج القانون. أما الهدر فقد يحدث أيضاً داخل الإطار القانوني، عندما يكون التخطيط ضعيفاً، أو التنفيذ متعثراً، أو التنسيق بين الإدارات محدوداً، أو عندما تغيب آليات قياس الأثر الحقيقي للإنفاق. ولهذا فإن بعض الدول لا تكتفي بالسؤال: هل صرفت الميزانية؟ بل تضيف سؤالاً أكثر أهمية: هل حققت الميزانية الأهداف التي رصدت من أجلها؟

في المغرب، يكشف المجلس الأعلى للحسابات، سنة بعد أخرى، عن اختلالات تتعلق بتأخر المشاريع، وضعف الحكامة، وعدم تنفيذ عدد من التوصيات السابقة. وتؤكد هذه التقارير أن الإشكال لا يكمن فقط في اكتشاف الاختلالات، وإنما أيضاً في تحويل الملاحظات الرقابية إلى إصلاحات عملية تمنع تكرارها.

ولا يقتصر الأمر على البنية التحتية أو الجماعات الترابية. ففي قطاعي التعليم والصحة، تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن المغرب يخصص موارد مهمة، لكن النتائج المحققة لا ترتقي دائماً إلى مستوى حجم الإنفاق. وهذا لا يعني تلقائيا فشل السياسات العمومية بالكامل، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول كفاءة توظيف الموارد المتاحة. فكل درهم لا يحقق القيمة التي كان من المفترض أن يحققها يمثل تكلفة اقتصادية زائدة. وكل مشروع يتأخر عن موعده يفرض أعباء إضافية على المالية العمومية. وكل برنامج لا يخضع لتقييم مستقل بعد تنفيذه يترك الباب مفتوحاً أمام تكرار الأخطاء نفسها.

ومن هنا، فإن وقف نزيف المال العام لا يمر فقط عبر تشديد العقوبات على الفساد، رغم أهمية ذلك، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، أي من جودة إعداد المشاريع، ودقة الدراسات القبلية، وربط الاعتمادات بالأهداف، وإخضاع البرامج لتقييم دوري، وتعزيز ثقافة الأداء داخل الإدارة.

لقد أصبح العالم يتحدث اليوم عن القيمة مقابل المال، أي أن نجاح الإنفاق العمومي يتم تقييمه بما يحققه من أثر اقتصادي واجتماعي، لا بما يستهلكه من اعتمادات. وهذه الثقافة هي التي تسمح للدول بتحويل كل درهم من المال العام إلى استثمار في النمو أو في رفاه المواطنين.

وهكذا، فإن التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس فقط زيادة الموارد المالية، بل تحسين جودة استخدامها. فالمملكة تحتاج إلى الاستمرار في الاستثمار لمواكبة الأوراش الكبرى والتحولات الاقتصادية، لكن النجاح لن يتم قياسُه بحجم المشاريع وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة. ذلك أن المال العام ليس مجرد أرقام في قانون المالية، بل هو تعبير عن ثقة المجتمع في مؤسساته. وكل مبلغ ـ مهما كان زهيدا ـ يُنفق دون أن يحقق أثره المتوقع لا يضيع من خزينة الدولة فقط، بل يضيع معه جزء من فرص التنمية، وثقة المواطنين، وقدرة الاقتصاد على النمو.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *